موسوعة الصلاة

🕌 دقائق علمية | بوابة المعرفة الإسلامية

موسوعة الصلاة وأحكامها

موسوعة علمية شاملة تجمع أهم أحكام الصلاة ومسائلها، من تعريف الصلاة ومكانتها وشروطها وأركانها، إلى أحكام الجماعة والسفر والمرض والنوافل، وأهم المسائل الفقهية المتعلقة بالصلاة.

🔎 ابحث في جميع مسائل موسوعة الصلاة
🔍
لا توجد نتائج مطابقة لبحثك.

ما هي الصلاة؟

الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي أعظم أركان الإسلام العملية، وقد فرضها الله تعالى على المسلمين، وجعل لها أوقاتًا معلومة وشروطًا وأركانًا وواجبات وسننًا، حتى يؤديها المسلم على الوجه الذي شرعه الله تعالى ورسوله ﷺ.

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾

وتضم هذه الموسوعة مئات المسائل المتعلقة بالصلاة وأحكامها، مرتبة في أبواب واضحة وسهلة الوصول، بحيث يستطيع القارئ الانتقال من المسائل الأساسية إلى المسائل التفصيلية، ومعرفة الحكم والدليل بصورة منظمة وميسرة.

1

الباب الأول: التعريف بالصلاة ومكانتها

الصلاة في الشرع عبادة مخصوصة، ذات أقوال وأفعال معلومة، تبدأ بالتكبير وتُختتم بالتسليم، وتؤدى على صفة مخصوصة في أوقات محددة، تقربًا إلى الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة: 43]
الصلاة من أعظم شعائر الإسلام، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وقد جاءت النصوص الكثيرة بالأمر بإقامتها والمحافظة عليها وتعظيم شأنها.
قال رسول الله ﷺ: «بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ» وذكر منها إقامة الصلاة. متفق عليه.
الصلوات المفروضة في اليوم والليلة خمس صلوات: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.
قال رسول الله ﷺ: «خمسُ صلواتٍ في اليوم والليلة». في حديث بعث معاذ رضي الله عنه، متفق عليه.
فُرضت الصلوات الخمس على النبي ﷺ وعلى أمته في ليلة الإسراء والمعراج، وكانت في أول الأمر خمسين صلاة، ثم خُففت إلى خمس صلوات في العمل، مع بقاء أجر الخمسين.
ثبت ذلك في حديث الإسراء والمعراج في الصحيحين.
فرض الله تعالى الصلوات الخمس على الأمة في ليلة الإسراء والمعراج، وهي الصلوات التي استقر عليها فرض المسلمين إلى يوم القيامة.
الصلاة المفروضة واجبة على كل مسلم بالغ عاقل، وهي من أعظم الفرائض التي أوجبها الله تعالى على عباده.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]
تجب الصلاة على المسلم البالغ العاقل القادر على أدائها بحسب استطاعته، ولا تسقط عن المسلم بسبب المرض أو العجز، بل يصلي على حسب قدرته.
لا تجب الصلاة على الطفل وجوب تكليف قبل البلوغ، لكنه يُؤمر بها ويُدرَّب عليها، حتى يعتادها ويستعد لأدائها عند بلوغه.
قال رسول الله ﷺ: «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين». رواه أبو داود.
يُؤمر الطفل بالصلاة عند بلوغه سبع سنوات، ويُربّى عليها تدريجيًا، ويُعلَّم الوضوء وأوقات الصلاة وأركانها وآدابها.
قال رسول الله ﷺ: «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين». رواه أبو داود.
تعليم الطفل الصلاة من أهم صور التربية الإسلامية؛ لأنه ينشأ على معرفة عبادة عظيمة والمحافظة عليها، ويعتاد أداءها قبل بلوغ سن التكليف.
المحافظة على الصلاة من أعظم أعمال البر، وتشمل المحافظة عليها أداؤها في أوقاتها، وإتمامها بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها بحسب الاستطاعة.
قال الله تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾ [البقرة: 238]
الصلاة من أعظم الأعمال وأجلّ القربات، وقد سُئل النبي ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله، فذكر الصلاة على وقتها.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: سألت النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها». متفق عليه.
المقصود أن يحرص المسلم على أداء الصلاة المفروضة في الوقت الذي حدده الشرع، وألا يتعمد إخراجها عن وقتها من غير عذر شرعي.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]
وردت النصوص في فضل الصلاة وأنها سبب لمغفرة الذنوب والخطايا، ومن ذلك الصلوات الخمس، مع اجتناب الكبائر والتوبة من الذنوب التي تحتاج إلى توبة.
قال رسول الله ﷺ: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا». متفق عليه.
الصلاة من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، وفيها ذكر وقراءة ودعاء وخضوع، ولذلك يجد المؤمن فيها سكينة وطمأنينة متى أداها بإخلاص وحضور قلب.
قال الله تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]
الصلاة مشتملة على أنواع عظيمة من ذكر الله تعالى، من التكبير والتحميد والتسبيح والقراءة والدعاء، ولذلك قال الله تعالى في شأن الصلاة:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14]
شُرعت الصلاة لتحقيق العبودية لله تعالى، وذكره وتعظيمه والخضوع له، وهي عبادة تجمع القلب واللسان والجوارح، وتربي المسلم على مراقبة الله والاستقامة.
قال الله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14]
الصلاة إذا أُديت كما شرع الله تعالى، مع الإخلاص والخشوع، كانت سببًا في تربية النفس على الخير، والبعد عن الفحشاء والمنكر، واستقامة السلوك.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]
إقامة الصلاة أوسع من مجرد أداء حركاتها؛ فهي تشمل المحافظة عليها في أوقاتها، وأدائها على الوجه المشروع، مع إتمام أركانها وواجباتها وسننها والخشوع فيها بحسب استطاعة المصلي.
التهاون في الصلاة من أخطر الذنوب؛ لأن الصلاة فريضة عظيمة وركن من أركان الإسلام. ويجب على المسلم أن يحذر من تركها أو تأخيرها عن وقتها بغير عذر.
قال الله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: 4-5]
ترك الصلاة من أعظم الذنوب وأشدها خطرًا، وقد اختلف أهل العلم في حكم من تركها تكاسلًا مع اعتقاده وجوبها: فمن العلماء من حكم بكفره، ومنهم من لم يحكم بكفره وجعل ذلك من أعظم الكبائر. ولا يجوز للمسلم أن يتهاون بها بحال.
من أنكر وجوب الصلاة جحودًا لفرضيتها، مع علمه بثبوت وجوبها في الإسلام، فقد أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، وهذا حكمه شديد الخطورة، ويُرجع في الحكم على المعيّن إلى أهل العلم والقضاء الشرعي عند وجوده.
لا تسقط الصلاة عن المسلم بسبب المرض ما دام عقله حاضرًا، بل يصلي بحسب استطاعته؛ فإن عجز عن القيام صلى قاعدًا، وإن عجز عن بعض الأفعال أتى بما يستطيع.
قال الله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]
لا تسقط الصلاة عن المسافر، وإنما شرع الله تعالى له بعض الرخص، ومن ذلك القصر في الصلوات الرباعية، والجمع عند تحقق شروطه على القول المعتبر عند أهل العلم.
الواجب على المسلم أن يتعلم صفة الصلاة من هدي النبي ﷺ، وأن يحرص على أدائها كما شرعها الله تعالى وبيّنها رسوله ﷺ.
قال رسول الله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي». رواه البخاري.
2

الباب الثاني: شروط وجوب الصلاة

من أهم شروط وجوب الصلاة: الإسلام، والعقل، والبلوغ. فالخطاب التكليفي بالصلاة يتعلق بالمسلم البالغ العاقل، أما الصبي فيُؤمر بالصلاة ويُدرَّب عليها قبل البلوغ.
نعم، الصلاة المفروضة واجبة على المسلم البالغ العاقل، وهي من أعظم فرائض الإسلام، ولا يجوز تعمد تركها.
قال الله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة: 43]
لا تصح الصلاة من غير المسلم؛ لأن الإسلام شرط لصحة العبادة، والكافر مخاطب بأصل الإيمان، وتترتب على إسلامه أحكام التكليف بعد ذلك.
لا تجب الصلاة على من زال عقله زوالًا يفقد معه الإدراك والتكليف، لأن العقل من شروط التكليف. فإذا عاد إليه عقله عاد حكم التكليف بحسب حاله.
قال رسول الله ﷺ: «رُفع القلم عن ثلاثة... وعن المجنون حتى يعقل». رواه أبو داود وغيره.
لا تجب الصلاة على الطفل وجوب تكليف قبل البلوغ، ولكن يُؤمر بها ويُعلَّم كيفية أدائها، حتى ينشأ على المحافظة عليها.
من علامات البلوغ المشتركة بين الذكر والأنثى: الاحتلام ونبات شعر العانة وبلوغ السن الذي يحصل به البلوغ عند من لم تظهر له علامة أخرى. وتختص الأنثى بعلامة الحيض.
نعم، إذا بلغت المرأة أصبحت مكلفة، فتجب عليها الصلوات المفروضة، مع مراعاة الأحكام الخاصة بالحيض والنفاس.
الحائض لا تصلي أثناء الحيض، ولا تقضي الصلوات التي فاتتها بسبب الحيض بعد الطهر، وهذا ثابت من السنة.
قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة». رواه مسلم.
لا تقضي المرأة الصلوات التي فاتتها أثناء الحيض، وإنما إذا طهرت وجب عليها أن تبدأ بالصلاة الحاضرة في وقتها.
قالت عائشة رضي الله عنها: «ولا نؤمر بقضاء الصلاة». رواه مسلم.
النفساء لها حكم الحائض في ترك الصلاة أثناء النفاس، ولا تقضي الصلوات التي فاتتها بسبب النفاس بعد الطهر.
إذا تحقق الطهر من الحيض وجب على المرأة الاغتسال، ثم تؤدي الصلاة التي أدركت وقتها، ولا تنتظر إلى وقت الصلاة التالية.
تعرف المرأة انتهاء الحيض بأحد أمارات الطهر المعروفة عند أهل العلم، ومنها القَصَّة البيضاء أو الجفوف التام بحسب عادة المرأة وحالها.
نعم، الصلاة لا تسقط عن المريض ما دام عقله حاضرًا، وإنما يصلي بحسب استطاعته، فيقوم إن استطاع، فإن عجز صلى قاعدًا، ويصلي على حسب قدرته في بقية الأفعال.
قال الله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]
لا تسقط الصلاة، بل يصلي المريض قاعدًا إذا عجز عن القيام أو كان القيام يشق عليه مشقة معتبرة، فإن عجز عن القعود صلى على حسب استطاعته.
قال النبي ﷺ لعِمران بن حصين رضي الله عنه: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». رواه البخاري.
فاقد الوعي ليس كالمريض المدرك؛ لأن التكليف مرتبط بالعقل والإدراك. وتفاصيل حكم قضاء الصلاة بعد الإفاقة تختلف بحسب مدة فقد الوعي وحال الشخص، ولذلك تُراعى فيها أقوال أهل العلم وحالة المريض.
نعم، الصلاة لا تسقط عن المسافر، وإنما شرع الله تعالى له رخصًا خاصة، ومنها قصر الصلاة الرباعية، والجمع عند تحقق شروطه على القول المعتبر.
إذا بلغ الصبي أثناء وقت الصلاة أصبح مكلفًا، ويلزمه أداء الصلاة التي أدرك وقتها بحسب ما يتسع له الوقت، وتفاصيل إدراك الوقت والقضاء فيها خلاف فقهي في بعض الصور.
إذا أسلم الشخص وجبت عليه الصلاة وسائر فرائض الإسلام بحسب أحكامها، ويبدأ بأداء ما أدركه من الصلوات، ولا يُكلَّف بأداء عبادات زمن الكفر.
نعم، يجب عليه أن يتعلم من الصلاة ما يتمكن به من أداء الفرض على الوجه الصحيح، ويبدأ بتعلم الطهارة والصلاة وأوقاتها وأركانها، ثم يزداد تعلمًا مع الوقت.
نعم، ما دام عقله حاضرًا، يصلي بحسب استطاعته، ولو بالإيماء عند العجز عن الأفعال، ولا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها.
قال الله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]
عدم القدرة على استعمال الماء لا يسقط الصلاة، وإنما ينتقل المسلم إلى التيمم عند تحقق سببه واستيفاء شروطه، ثم يصلي.
فقد البصر أو السمع أو غيرهما من الحواس لا يسقط الصلاة عن المسلم العاقل البالغ، بل يؤديها بحسب استطاعته، ويتعلم ما يحتاج إليه من أحكامها بالوسائل المناسبة لحاله.
من عجز عن قراءة القرآن في الصلاة عجزًا حقيقيًا، فإنه يتعلم بحسب استطاعته، ويعمل بما يقدر عليه من الذكر والدعاء وفق التفصيل الوارد في كتب الفقه، ولا يترك الصلاة بسبب عجزه عن بعض القراءة.
كِبَر السن لا يسقط الصلاة ما دام الإنسان عاقلًا، وإنما يصلي بحسب استطاعته، فيجلس أو يصلي على الهيئة التي يقدر عليها إذا عجز عن القيام.
القاعدة أن المسلم يؤدي من الصلاة ما يستطيع، ولا يتركها بسبب العجز عن بعض أفعالها. فإذا عجز عن القيام صلى قاعدًا، وإذا عجز عن بعض الأفعال أتى بما يستطيع بحسب حاله.
قال الله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]
3

الباب الثالث: شروط صحة الصلاة

شروط صحة الصلاة هي الأمور التي لا تصح الصلاة شرعًا عند فقد أحدها، إذا كان الشرط معتبرًا في تلك الصلاة ولم يوجد عذر يسقطه أو يغيّر حكمه.
من أشهر شروط صحة الصلاة التي يذكرها الفقهاء: دخول الوقت، والطهارة من الحدث، والطهارة من النجاسة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية. وتفصيل بعض هذه الشروط وعدّها يختلف في بعض المذاهب الفقهية.
نعم، دخول وقت الصلاة شرط لصحة أداء الفريضة، فلا يجوز أداء الصلاة المفروضة قبل دخول وقتها، إلا في بعض مسائل الجمع التي شرع فيها الجمع بين الصلاتين بشروطه.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]
من صلى الفريضة قبل دخول وقتها لم تصح صلاته المفروضة؛ لأن الوقت شرط لصحتها، وعليه أن يعيدها بعد دخول الوقت.
الأصل بقاء الوقت السابق وعدم دخول الوقت الجديد حتى يتيقن المسلم أو يغلب على ظنه غلبة معتبرة بحسب الوسيلة المتاحة لديه أن وقت الصلاة قد دخل. ولا ينبغي بناء العبادة على مجرد الشك والوسوسة.
الطهارة من الحدث شرط لصحة الصلاة في الأصل، فيتوضأ المسلم من الحدث الأصغر، ويغتسل من الحدث الأكبر، فإن تعذر استعمال الماء أو وُجد العذر الشرعي انتقل إلى التيمم وفق أحكامه.
قال النبي ﷺ: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». متفق عليه.
الحدث الأصغر هو ما يوجب الوضوء، مثل خروج شيء من السبيلين أو زوال العقل على بعض الصور. أما الحدث الأكبر فهو ما يوجب الغسل، كالجنابة والحيض والنفاس.
الوضوء يجب على من كان محدثًا حدثًا أصغر وأراد الصلاة، أما من كان على طهارة فلا يلزمه تجديد الوضوء لكل صلاة، ويجوز له أن يصلي بوضوئه ما لم ينتقض.
نعم، يجوز للمسلم أن يصلي عدة صلوات بوضوء واحد ما دام وضوؤه باقيًا ولم يحدث، ولا يجب عليه تجديد الوضوء لكل صلاة.
يجوز التيمم عند وجود سببه الشرعي، مثل فقد الماء أو العجز عن استعماله بسبب المرض ونحوه، ويصلي المسلم بالتيمم وفق أحكامه.
قال الله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾ [النساء: 43]
يجب على المسلم أن يجتنب النجاسة في بدنه وثوبه ومكان صلاته بحسب ما قرره الشرع، وإذا علم بوجود النجاسة وقدر على إزالتها وجب عليه ذلك.
إذا علم المصلي بوجود النجاسة أثناء الصلاة وكان قادرًا على إزالتها دون تعذر أو عمل كثير، أزالها وأكمل صلاته. وتفصيل صحة الصلاة إذا لم يعلم بها إلا بعد الصلاة فيه خلاف فقهي معروف.
الأصل أن يصلي المسلم في مكان طاهر من النجاسة، ولا يجوز تعمد الصلاة في مكان متنجس مع القدرة على اجتنابه.
نعم، يجب على المسلم أن يتحرى طهارة ثوبه من النجاسة، ولا يتعمد الصلاة في ثوب متنجس مع القدرة على إزالة النجاسة أو تبديل الثوب.
إذا علم المسلم بالنجاسة وقدر على إزالتها وجب عليه إزالة النجاسة قبل الصلاة. أما من صلى وهو لا يعلم بالنجاسة أو نسيها، فحكم صلاته محل تفصيل وخلاف بين أهل العلم.
ستر العورة من شروط الصلاة عند جمهور أهل العلم، ويجب على المسلم أن يستر عورته بما لا يصفها ولا يكشفها أثناء الصلاة، مع اختلاف الفقهاء في بعض تفاصيل حد العورة.
قال الله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف: 31]
المشهور عند جمهور الفقهاء أن عورة الرجل في الصلاة ما بين السرة والركبة، مع اختلاف في بعض التفاصيل الفقهية. والأحوط للمسلم أن يصلي بثوب ساتر لجميع بدنه ما عدا ما استثناه الشرع.
يجب على المرأة أن تستر بدنها في الصلاة بلباس ساتر لا يشف ولا يصف، مع وجود خلاف فقهي في بعض التفاصيل المتعلقة بالوجه والكفين والقدمين. والأحوط الالتزام بستر جميع البدن عدا الوجه عند من يرى ذلك.
نعم، يجب أن يكون اللباس ساترًا للعورة، وألا يكون شفافًا بحيث يظهر لون البشرة من تحته، كما ينبغي أن يكون ساترًا أثناء الركوع والسجود وسائر حركات الصلاة.
استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة مع القدرة عليه، ويستثنى من ذلك بعض الحالات التي رخص فيها الشرع، كصلاة النافلة على الراحلة في السفر، وبعض حالات العجز والخوف.
قال الله تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 144]
يجب على من جهل جهة القبلة أن يجتهد في معرفتها بما يستطيع، كالسؤال أو استخدام الوسائل الموثوقة أو العلامات المعروفة. فإذا بذل وسعه ثم صلى، فلا يُكلَّف ما لا يستطيع.
من اجتهد في معرفة القبلة وصلى ثم تبين له بعد الصلاة أنه أخطأ، فله تفصيل عند أهل العلم، ومن الأقوال المعتبرة أن من بذل وسعه في الاجتهاد لا تلزمه الإعادة في هذه الصورة.
النية أصل عظيم في العبادات، والمقصود بها قصد القلب أداء الصلاة المعينة تقربًا إلى الله تعالى، ولا يشترط التلفظ بها باللسان.
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». متفق عليه.
لا يجب التلفظ بالنية؛ فالنية محلها القلب، ويكفي أن يقصد المسلم الصلاة التي يريد أداءها. ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتلفظ بالنية قبل الصلاة بلفظ مخصوص.
قبل الصلاة يتحرى المسلم دخول الوقت، والطهارة من الحدث، واجتناب النجاسة، وستر العورة، واستقبال القبلة مع القدرة، وقصد الصلاة بقلبه، ثم يبدأ صلاته على الصفة المشروعة.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة: 6]
4

الباب الرابع: مواقيت الصلاة

مواقيت الصلاة هي الأوقات التي حددها الشرع لأداء الصلوات المفروضة، بحيث لا يجوز تعمد أداء الصلاة المفروضة قبل دخول وقتها، ولا تأخيرها عن وقتها بلا عذر شرعي.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]
للصلوات الخمس أوقات محددة شرعًا، وهي: وقت الفجر، ووقت الظهر، ووقت العصر، ووقت المغرب، ووقت العشاء، ولكل صلاة بداية ونهاية معلومة.
يبدأ وقت الفجر بطلوع الفجر الصادق، وهو البياض المعترض في الأفق الشرقي الذي ينتشر ضوؤه، وينتهي بطلوع الشمس.
قال النبي ﷺ: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس». رواه مسلم.
الفجر الصادق هو الضوء المنتشر عرضًا في الأفق، وبه يدخل وقت صلاة الفجر. أما الفجر الكاذب فهو ضوء يظهر مستطيلًا في السماء ثم يزول، ولا يدخل به وقت الفجر.
ينتهي وقت صلاة الفجر بطلوع الشمس، ولذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على أداء الصلاة قبل طلوع الشمس.
يبدأ وقت الظهر بعد زوال الشمس عن وسط السماء، أي بعد ميلها عن كبد السماء جهة الغرب.
قال النبي ﷺ: «وقت الظهر إذا زالت الشمس». رواه مسلم.
زوال الشمس هو ميلها عن وسط السماء إلى جهة الغرب، وبه يدخل وقت صلاة الظهر، ويمكن معرفة ذلك بالوسائل الفلكية أو بعلامات الظل المعروفة.
ينتهي وقت الظهر بدخول وقت العصر، وتحديد وقت العصر من المسائل التي وقع فيها خلاف فقهي في مقدار ظل الأشياء، ولذلك تختلف بعض مواقيت العصر بحسب المذهب المتبع.
يدخل وقت العصر بعد انتهاء وقت الظهر، وتفصيل بداية وقت العصر من حيث مقدار الظل محل خلاف معروف بين الفقهاء، ولهذا قد تختلف الجداول الفلكية المعتمدة بحسب طريقة الحساب الفقهية.
قال النبي ﷺ: «ووقت العصر ما لم تصفر الشمس». رواه مسلم.
ينتهي وقت العصر بغروب الشمس، لكن الأفضل للمسلم ألا يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت من غير عذر، بل يبادر بأدائها في وقتها.
الصلاة في آخر الوقت قبل خروجه تصح من حيث الأصل، لكن تعمد تأخير الصلاة إلى وقت الضيق أو إلى اصفرار الشمس من غير عذر مخالف لما ينبغي من المبادرة إلى الصلاة، وقد ورد الوعيد في التأخير عن وقت الفضيلة.
يبدأ وقت المغرب بغروب قرص الشمس كاملًا، فإذا غاب قرص الشمس دخل وقت المغرب.
قال النبي ﷺ: «ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق». رواه مسلم.
ينتهي وقت المغرب عند مغيب الشفق الذي يدخل بعده وقت العشاء، وتحديد الشفق المقصود من المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف في بعض التفصيلات.
الشفق هو الحمرة التي تظهر في الأفق بعد غروب الشمس، وقد اختلف الفقهاء في تحديد الشفق الذي ينتهي به وقت المغرب ويدخل به وقت العشاء.
يبدأ وقت العشاء بعد انتهاء وقت المغرب وغياب الشفق على التفصيل المعروف عند أهل العلم.
قال النبي ﷺ: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط». رواه مسلم.
ورد في الحديث أن وقت العشاء يمتد إلى نصف الليل، وتفصيل نهاية وقت العشاء من المسائل التي تكلم فيها أهل العلم، والأحوط ألا يؤخر المسلم الصلاة بلا عذر حتى يخرج وقتها.
نصف الليل الشرعي لا يعني بالضرورة الساعة الثانية عشرة ليلًا، وإنما يُحسب من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ثم يقسم مجموع المدة إلى نصفين.
يجوز تأخير صلاة العشاء في وقتها، وقد كان النبي ﷺ يستحب أحيانًا تأخيرها لولا المشقة على أمته، لكن ينبغي مراعاة الوقت وعدم تأخيرها إلى ما بعد وقتها من غير عذر.
قال النبي ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه». رواه الترمذي وابن ماجه.
الأفضل أداء الصلاة في وقتها وعدم تأخيرها عن وقت الفضيلة بلا سبب، وقد جاء في الحديث أن الصلاة على وقتها من أحب الأعمال إلى الله تعالى.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: سألت النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها». متفق عليه.
لا يجوز تعمد إخراج الصلاة المفروضة عن وقتها من غير عذر شرعي، لأن الله تعالى جعل للصلوات أوقاتًا محددة، ويجب على المسلم المحافظة عليها.
من نام عن صلاة أو نسيها حتى خرج وقتها، فإنه يصليها حين يستيقظ أو يتذكر، ولا يؤخرها بعد ذلك عمدًا.
قال رسول الله ﷺ: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها». متفق عليه.
يصلي الصلاة التي نسيها عندما يتذكرها، ثم يصلي الصلاة الحاضرة، مع مراعاة ما ورد في أحكام الترتيب بين الفوائت والحاضرة، وما يترتب على ضيق وقت الحاضرة من تفصيل فقهي.
الأصل أنه لا تصح الفريضة قبل دخول وقتها، ولا يغير السفر أو العمل هذا الأصل. وإنما شرع للمسافر الجمع والقصر في الحالات التي تتحقق فيها شروطهما.
الأصل أن كل صلاة تؤدى في وقتها، وقد شرع الجمع في حالات مخصوصة، كالـسفر، ووردت مسائل أخرى اختلف فيها أهل العلم بحسب وجود المشقة والحاجة والضوابط الشرعية. فلا يجعل الجمع عادة بلا سبب معتبر.
لأن الصلاة المفروضة مرتبطة بأوقات محددة شرعًا، ومعرفة دخول الوقت وخروجه تعين المسلم على أداء الصلاة في وقتها، وتجنبه الصلاة قبل الوقت أو تعمد إخراجها عنه.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]
5

الباب الخامس: الأذان والإقامة

الأذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة شرعها النبي ﷺ، وهو من شعائر الإسلام الظاهرة، ويُشرع للصلوات المفروضة.
الأذان من شعائر الصلاة ومن السنن المؤكدة، وقد شرعه النبي ﷺ للمسلمين للإعلام بدخول وقت الصلاة ودعوة الناس إلى أدائها جماعة.
قال النبي ﷺ: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط». متفق عليه.
شُرع الأذان في المدينة النبوية بعد الهجرة، وكان ذلك عندما احتاج المسلمون إلى وسيلة للإعلام باجتماع الناس للصلاة، ورؤي في ذلك رؤيا، فأقرها النبي ﷺ وأمر بالأذان.
أول مؤذن معروف في الإسلام هو بلال بن رباح رضي الله عنه، وقد كان يؤذن للنبي ﷺ في المدينة، وكان من أشهر المؤذنين في العهد النبوي.
يُشرع رفع الصوت بالأذان بحيث يسمعه من يقصد إعلامهم بدخول وقت الصلاة، مع مراعاة عدم الإضرار بالناس أو إزعاجهم بغير حاجة.
الوضوء مستحب للمؤذن، وليس شرطًا لصحة الأذان عند جمهور أهل العلم، لكن الأفضل أن يكون المؤذن على طهارة خروجًا من الخلاف واتباعًا للأكمل.
نعم، يصح الأذان من غير وضوء عند جمهور أهل العلم، لأن الطهارة ليست شرطًا لصحة الأذان، وإن كان الأفضل للمؤذن أن يكون متوضئًا.
استقبال القبلة في الأذان من السنن عند أهل العلم، وليس شرطًا لصحة الأذان، ولذلك لو أذن المؤذن إلى غير القبلة صح أذانه مع كراهة ترك السنة عند من قال بها.
ورد أن المؤذن كان يلتفت برأسه عند الحيعلتين، أي عند قوله: «حي على الصلاة» و«حي على الفلاح»، مع بقاء بدنه مستقبلًا القبلة.
الإقامة هي الإعلام بالقيام إلى الصلاة وبدء الجماعة فيها، وتكون بألفاظ مخصوصة وردت بها السنة.
الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة ودعوة إلى حضورها، أما الإقامة فهي إعلام بالبدء في الصلاة بعد اجتماع المصلين واستعداد الإمام.
الإقامة من شعائر الصلاة ومن السنن المؤكدة في صلاة الجماعة، وقد اختلف الفقهاء في درجة حكمها على تفاصيل معروفة، ولا تبطل الصلاة بتركها عند جمهور أهل العلم.
يشرع لمن يصلي وحده أن يؤذن ويقيم إذا كان في موضع لم يؤذن فيه، وقد اختلف أهل العلم في درجة وجوب ذلك، أما صحة الصلاة فلا تتوقف على الأذان والإقامة.
يُشرع للمسلم أن يجيب المؤذن، فيقول مثل ما يقول المؤذن، إلا عند قوله: «حي على الصلاة» و«حي على الفلاح»، فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله».
قال النبي ﷺ: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن». متفق عليه.
بعد إجابة المؤذن يُشرع للمسلم أن يصلي على النبي ﷺ، ثم يسأل الله تعالى له الوسيلة والفضيلة، كما ورد في السنة.
قال النبي ﷺ: «ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا». رواه مسلم.
من الدعاء الوارد بعد الأذان أن يقول المسلم: «اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته».
ورد هذا الدعاء في صحيح البخاري.
نعم، ورد في السنة أن الدعاء بين الأذان والإقامة من مواطن إجابة الدعاء، ولذلك يستحب للمسلم أن يكثر من الدعاء في هذا الوقت.
قال النبي ﷺ: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة». رواه أبو داود والترمذي.
الأصل أن ينشغل المسلم بإجابة المؤذن والاستماع إلى الأذان، ويجوز الكلام للحاجة عند أهل العلم، ولا ينبغي الانشغال عنه بما لا حاجة إليه.
التسجيل الصوتي للأذان لا يأخذ حكم الأذان الذي يؤدى من المؤذن في وقته؛ لأن الأذان عبادة مرتبطة بالوقت وبفعل المؤذن، فلا يُعتمد على التسجيل بدل الأذان الشرعي في المسجد.
الأصل أن الأذان يكون بعد دخول وقت الصلاة لأنه إعلام بدخول الوقت. واستُثني أذان الفجر الأول الذي وردت به السنة قبل طلوع الفجر الصادق، وليس هو الأذان الذي يعلن دخول وقت الفجر.
الأذان الأول للفجر مشروع في السنة؛ وكان بلال رضي الله عنه يؤذن بليل، ثم يؤذن ابن أم مكتوم عند طلوع الفجر الصادق.
قال النبي ﷺ: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». متفق عليه.
نعم، إذا كان الأذان هو الأذان الأول الذي يكون قبل طلوع الفجر الصادق، فيجوز الأكل والشرب حتى يدخل الفجر الحقيقي، أما إذا كان الأذان عند طلوع الفجر الصادق فقد دخل وقت الإمساك للصائم.
لا يصلي الفريضة قبل تحقق دخول وقتها، فإذا كان مترددًا ولم يغلب على ظنه دخول الوقت، فعليه الانتظار حتى يتيقن أو يغلب على ظنه دخول الوقت بالوسائل المعتبرة.
يجوز الاستفادة من التطبيقات والجداول الفلكية في معرفة مواقيت الصلاة إذا كانت مبنية على حسابات صحيحة ومضبوطة ومناسبة لموقع المصلي، مع الانتباه إلى اختلاف طرق الحساب في بعض الأوقات، وخاصة الفجر والعشاء والعصر.
ينبغي للمسلم أن يستجيب للنداء، ويترك ما يشغله عن الصلاة قدر استطاعته، ويجيب المؤذن، ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو بالدعاء الوارد، ويستعد لأداء الصلاة في وقتها.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ [الجمعة: 9]
6

الباب السادس: صفة الصلاة خطوة بخطوة

يستعد المسلم للصلاة بالطهارة من الحدث والنجاسة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والتأكد من دخول الوقت، ثم يستحضر نية الصلاة بقلبه ويقف بين يدي الله تعالى بخشوع وطمأنينة.
النية محلها القلب، فيقصد المسلم بقلبه أداء الصلاة المعينة التي يريد أداءها، ولا يشرع التلفظ بالنية قبل الصلاة.
يبدأ الصلاة بتكبيرة الإحرام، فيقول: «الله أكبر»، قائمًا مستقبل القبلة إذا كان قادرًا على القيام، ثم يدخل في الصلاة ولا ينشغل عنها.
قال النبي ﷺ: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». رواه أبو داود والترمذي.
بعد تكبيرة الإحرام يضع يديه على الصفة الواردة عن النبي ﷺ، ثم يستفتح الصلاة بما ورد من أدعية الاستفتاح، ثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويبسمل ويقرأ الفاتحة.
وردت أدعية متعددة صحيحة للاستفتاح، منها: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك». ويجوز للمصلي أن يستفتح بما صح عن النبي ﷺ.
دعاء الاستفتاح من سنن الصلاة، وليس من أركانها، فمن تركه صحت صلاته، سواء تركه عمدًا أو نسيانًا، وإن كان الإتيان به اتباعًا للسنة أفضل.
يقرأ المصلي سورة الفاتحة في الركعات التي تشرع فيها قراءتها، ثم يقرأ ما تيسر من القرآن بعدها في الركعتين الأوليين من الصلاة الرباعية والثلاثية، وفي الصلاة الثنائية.
يقول «آمين» بعد الفاتحة، ثم يقرأ ما تيسر من القرآن في الموضع الذي تشرع فيه الزيادة على الفاتحة، ثم يركع مكبرًا.
يركع المصلي مكبرًا، ويضع يديه على ركبتيه، ويجعل ظهره مستويًا قدر استطاعته، ويعظم الله في ركوعه، ومن الذكر المشروع: «سبحان ربي العظيم».
قال النبي ﷺ: «أما الركوع فعظموا فيه الرب». رواه مسلم.
يقول الإمام والمنفرد عند الرفع من الركوع: «سمع الله لمن حمده»، ثم بعد الاعتدال يقول: «ربنا ولك الحمد». وللمأموم أن يقول «ربنا ولك الحمد» بعد رفعه.
يجب على المصلي أن يعتدل قائمًا بعد الركوع ويطمئن قبل أن يهوي إلى السجود، فالانتقال بين أركان الصلاة يكون بسكينة وطمأنينة، ولا يصح أداء الصلاة بعجلة تخل بالطمأنينة.
قال النبي ﷺ للرجل الذي لم يطمئن في صلاته: «ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا». متفق عليه.
يهوي المصلي إلى السجود مكبرًا، ويسجد على الأعضاء التي أمر النبي ﷺ بالسجود عليها، وهي الجبهة مع الأنف، واليدان، والركبتان، وأطراف القدمين، ويطمئن في سجوده.
قال النبي ﷺ: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم». متفق عليه.
من الأذكار المشروعة في السجود: «سبحان ربي الأعلى». ويستحب للمسلم أن يكثر من الدعاء في السجود، لأنه من أعظم مواضع الدعاء في الصلاة.
قال النبي ﷺ: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم». رواه مسلم.
يرفع المصلي من السجود مكبرًا، ويجلس بين السجدتين مطمئنًا، ومن الدعاء المشروع: «رب اغفر لي». ويجوز الدعاء بما ورد من الأدعية الصحيحة.
يجلس المصلي بين السجدتين جلسة يطمئن فيها، ويضع يديه على فخذيه أو ركبتيه على الصفة الواردة، ثم يسجد السجدة الثانية.
بعد السجدة الثانية يقوم المصلي إلى الركعة التالية مكبرًا، ويؤدي الركعة التالية على الصفة المشروعة، بحسب عدد ركعات الصلاة.
يقرأ الفاتحة، ويقرأ بعدها ما تيسر من القرآن في الصلاة التي تشرع فيها القراءة بعد الفاتحة، ثم يركع ويسجد كما فعل في الركعة الأولى.
التشهد الأول هو التشهد الذي يكون بعد الركعتين في الصلاة الثلاثية والرباعية، ويجلس فيه المصلي ويقرأ التشهد الوارد عن النبي ﷺ، ثم يقوم لإتمام صلاته.
من ألفاظ التشهد الصحيحة: «التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله».
تشرع الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وقد وردت صيغ صحيحة متعددة للصلاة الإبراهيمية، ومنها ما علّمه النبي ﷺ لأصحابه.
يكون التشهد الأول في الصلاة الثلاثية والرباعية بعد الركعة الثانية، ثم يقوم المصلي لإتمام الصلاة، أما التشهد الأخير فيكون في نهاية الصلاة، ويجلس بعده حتى يسلّم.
يقوم المصلي بعد التشهد الأول إلى الركعة الثالثة، ويقرأ الفاتحة، ثم يركع ويسجد، وفي الصلاة الرباعية يفعل ذلك في الركعة الرابعة أيضًا، ثم يجلس للتشهد الأخير.
بعد التشهد والصلاة على النبي ﷺ يستعيذ المصلي بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ثم يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.
قال النبي ﷺ: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع». متفق عليه.
يختم المصلي صلاته بالتسليم، فيلتفت إلى جهة اليمين ويقول: «السلام عليكم ورحمة الله»، ثم يلتفت إلى جهة اليسار ويقول مثلها.
تبدأ الصلاة بالنية في القلب ثم تكبيرة الإحرام، فالاستفتاح والتعوذ وقراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن، ثم الركوع والرفع منه، ثم السجود والجلوس بين السجدتين والسجود الثاني، وتتكرر الركعات بحسب الصلاة، ثم التشهد والصلاة على النبي ﷺ والدعاء، ثم التسليم عن اليمين والشمال، مع المحافظة على الطمأنينة واتباع هدي النبي ﷺ.
قال النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي». رواه البخاري.
7

الباب السابع: أركان الصلاة

أركان الصلاة هي الأعمال والأقوال الأساسية التي تقوم عليها الصلاة، ولا تصح الصلاة بترك ركن منها عمدًا أو سهوًا حتى يأتي المصلي به على الوجه المشروع، مع وجود تفصيل فقهي في كيفية تدارك الركن المتروك.
اختلف الفقهاء في تعداد أركان الصلاة وتفصيلها، بسبب اختلافهم في تصنيف بعض الأفعال والأقوال: هل هي أركان أو واجبات أو سنن. والمقصود في الموسوعة بيان أهم الأركان التي لا تصح الصلاة بدونها على القول الراجح عند كثير من أهل العلم.
القيام في صلاة الفريضة للقادر عليه ركن من أركان الصلاة، فلا يجوز للمستطيع أن يصلي الفريضة جالسًا من غير عذر، أما العاجز فيصلي بحسب استطاعته.
قال الله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة: 238]
نعم، إذا عجز المريض عن القيام أو كان القيام يشق عليه مشقة معتبرة أو يؤدي إلى زيادة مرضه، فإنه يصلي بحسب استطاعته، فيصلي جالسًا أو على الهيئة التي يستطيعها.
قال النبي ﷺ: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». رواه البخاري.
تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، ويدخل بها المصلي في الصلاة، وصيغتها المشروعة: «الله أكبر».
قال النبي ﷺ: «وتحريمها التكبير». رواه أبو داود والترمذي.
لا تُستبدل تكبيرة الإحرام بالعبارات الأخرى عند القدرة على قول «الله أكبر»، لأن الوارد في السنة هو التكبير بهذه الصيغة.
قراءة الفاتحة من أهم أركان الصلاة عند جمهور أهل العلم بالنسبة للإمام والمنفرد، وللمأموم تفصيل وخلاف فقهي معروف، خاصة في الصلاة الجهرية.
قال النبي ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». متفق عليه.
القول المشهور عند جمهور أهل العلم أن قراءة الفاتحة مطلوبة في كل ركعة للإمام والمنفرد، وللمأموم تفصيل بحسب حال الصلاة والقول الفقهي الذي يتبعه.
الركوع ركن من أركان الصلاة، فلا تصح الركعة بدونه، ويجب على المصلي أن يركع مع الطمأنينة.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ﴾ [الحج: 77]
يتحقق الركوع بانحناء المصلي انحناءً معتبرًا بحيث يصل إلى هيئة الركوع المعروفة، مع مراعاة القدرة والاستطاعة، ثم يطمئن قبل الانتقال إلى الرفع.
الرفع من الركوع والاعتدال قائمًا بعده من أركان الصلاة عند جمهور أهل العلم، ويجب أن يطمئن المصلي بعد الرفع قبل أن يسجد.
الطمأنينة هي سكون المصلي واستقراره في الركن حتى يأخذ الركن حقه من الأداء، فلا ينتقل من الركوع إلى السجود بسرعة تمنعه من الاعتدال والاستقرار.
قال النبي ﷺ للرجل الذي لم يحسن صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا». متفق عليه.
السجود ركن من أركان الصلاة، ويجب على المصلي أن يسجد في كل ركعة سجدتين مع الطمأنينة.
في كل ركعة سجدتان، يفصل بينهما جلوس وطمأنينة، ولا تكتمل الركعة إلا بأداء السجدتين على الوجه المشروع.
يسجد المصلي على سبعة أعضاء: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين.
قال النبي ﷺ: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم». متفق عليه.
الجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه من هدي النبي ﷺ، وهو من الأفعال التي لا ينبغي للمصلي أن يتركها، وقد عده كثير من أهل العلم من أركان الصلاة.
يجب على المصلي أن يطمئن في جلوسه بين السجدتين، فلا يكفي مجرد رفع الرأس والعودة إلى السجود بسرعة دون استقرار.
التشهد الأخير من أركان الصلاة عند جمهور أهل العلم، ويكون في نهاية الصلاة قبل التسليم.
الجلوس للتشهد الأخير من صفة الصلاة التي وردت عن النبي ﷺ، ويجلس المصلي في نهاية الصلاة ويقرأ التشهد ثم الصلاة على النبي ﷺ وما تيسر من الدعاء.
الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير من هدي النبي ﷺ، وقد اختلف الفقهاء في حكمها وتفاصيلها، ويأخذ المصلي بما ثبت من صيغ الصلاة الإبراهيمية.
التسليم هو ختام الصلاة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يسلم عن يمينه وعن شماله، والتسليم الأول هو الذي تخرج به الصلاة على قول جمهور أهل العلم.
المقصود أن يؤدي المصلي أفعال الصلاة بالترتيب الذي شرعه النبي ﷺ، فيقرأ ثم يركع، ثم يرفع، ثم يسجد، ثم يجلس بين السجدتين، ثم يسجد، ولا يعكس ترتيب الأركان عمدًا.
من ترك ركنًا من أركان الصلاة فلا يكفيه سجود السهو وحده في الأصل، بل يجب عليه تدارك الركن بحسب حاله، فإن تذكره قبل الوصول إلى موضعه من الركعة التالية رجع إليه وأتم صلاته، وللمسألة تفاصيل فقهية بحسب وقت التذكر.
نعم، ترك ركن من أركان الصلاة عمدًا يفسد الصلاة؛ لأن الركن جزء أساسي لا تقوم الصلاة بدونه.
من أهم أركان الصلاة: القيام للقادر في الفرض، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة على التفصيل المعروف، والركوع، والرفع منه، والاعتدال، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة، والتشهد الأخير، والجلوس له، والتسليم، وترتيب الأركان، مع وجود خلاف فقهي في تعداد بعض هذه الأركان وتصنيفها.
قال الله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة: 43]
8

الباب الثامن: واجبات الصلاة

واجبات الصلاة هي الأقوال والأفعال التي شرعها الله تعالى في الصلاة، وطلب من المصلي المحافظة عليها، وهي دون الأركان في المرتبة؛ فالرُّكن لا يسقط عمدًا ولا سهوًا، أما الواجب عند من يفرّق بين الركن والواجب فيسقط بالسهو ويُجبر بسجود السهو.
تنبيه: تقسيم الصلاة إلى أركان وواجبات وسنن هو اصطلاح فقهي مشهور عند بعض أهل العلم، مع وجود اختلاف بين المذاهب في عدد الواجبات وتفاصيلها.
الركن جزء أساسي من حقيقة الصلاة، فلا تصح الركعة أو الصلاة بدونه، ولا يسقط عمدًا ولا بالسهو على وجهٍ يُكتفى معه بسجود السهو وحده. أما الواجب، فعند من يفرّق بينه وبين الركن، فإن تركه المصلي سهوًا جُبر بسجود السهو، وإن تركه عمدًا أثِم وبطلت الصلاة عند من يرى وجوبه بهذا التفصيل.
التكبير عند الانتقال من قيام إلى ركوع، ومن سجود إلى قيام أو جلوس، ونحو ذلك من سنن الانتقال المشروعة، ويُعبَّر عن هذه التكبيرات عند بعض أهل العلم بأنها من واجبات الصلاة.
ثبت في صفة صلاة النبي ﷺ أنه كان يكبر عند كل خفض ورفع، كما في الصحيحين.
تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة عند جمهور أهل العلم، وليست مجرد تكبيرة انتقال؛ لأنها التي يدخل بها المصلي في الصلاة.
قال النبي ﷺ: «وتحريمها التكبير» رواه أبو داود والترمذي، وصححه جمع من أهل العلم.
قول «سمع الله لمن حمده» عند الرفع من الركوع من الأذكار المشروعة الثابتة عن النبي ﷺ، ويقوله الإمام والمنفرد عند الرفع من الركوع، وأما المأموم فيقول: «ربنا ولك الحمد» أو ما ورد من صيغ الحمد.
ثبت ذلك في أحاديث صحيحة في صفة صلاة النبي ﷺ.
يقول المصلي: «ربنا ولك الحمد»، ويجوز أن يقول من الصيغ الواردة: «ربنا لك الحمد»، أو «اللهم ربنا لك الحمد»، أو «اللهم ربنا ولك الحمد».
وردت هذه الصيغ وغيرها في الأحاديث الصحيحة.
هو ذكر مشروع مؤكد في الصلاة، والمحافظة عليه من هدي النبي ﷺ، ويشرع للمأموم والمنفرد، وللإمام في موضعه المشروع.
قول «سبحان ربي العظيم» في الركوع من الأذكار الثابتة المشروعة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه، بينما يرى آخرون أنه سنة مؤكدة.
قال النبي ﷺ: «أما الركوع فعظموا فيه الرب» رواه مسلم.
قول «سبحان ربي الأعلى» في السجود من الأذكار المشروعة الثابتة، وقد اختلف الفقهاء في حكمه من جهة الوجوب والاستحباب.
قال النبي ﷺ: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» رواه مسلم، وثبت عنه ﷺ التسبيح في السجود.
يشرع للمصلي أن يكبر عند الانتقال إلى السجود، وهذا من هدي النبي ﷺ في صلاته، وقد عده بعض أهل العلم من واجبات الصلاة.
ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه وصفه لصلاة النبي ﷺ وأنه كان يكبر عند كل خفض ورفع، رواه البخاري ومسلم.
من الأذكار الواردة أن يقول: «رب اغفر لي»، ويجوز الدعاء بما ورد من صيغ صحيحة، ومن ذلك: «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني».
ثبت الدعاء بين السجدتين عن النبي ﷺ في أحاديث صحيحة.
الجلوس بين السجدتين ركن من أركان الصلاة عند جمهور أهل العلم، فلا تصح الصلاة بتركه عمدًا أو الاقتصار على مجرد المرور بين السجدتين دون طمأنينة.
الطمأنينة هي سكون الأعضاء واستقرارها في الركن قبل الانتقال إلى الركن الذي يليه، بحيث يؤدي المصلي الركن بهدوء واستقرار، ولا ينتقل بسرعة تمنعه من إتمام الركن.
قال النبي ﷺ للرجل الذي لم يحسن صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعًا... ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا» رواه البخاري ومسلم.
الطمأنينة واجبة في أركان الصلاة، وهي من أهم صفات الصلاة الصحيحة؛ فلا ينبغي للمصلي أن ينقر صلاته نقرًا، بل عليه أن يسكن في الركوع والسجود والقيام والجلوس بحسب ما يشرع في كل موضع.
التشهد الأول من مواضع الذكر المشروعة في الصلاة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه واجب يجبر بسجود السهو عند نسيانه، بينما ذهب آخرون إلى سنيته.
من أدلة مشروعيته حديث ابن مسعود رضي الله عنه في تعليم النبي ﷺ أصحابه التشهد، وهو ثابت في الصحيحين.
أصل التشهد واحد، لكن التشهد الأخير يتبعه في الصلاة على النبي ﷺ والدعاء ثم التسليم، أما التشهد الأول فيكون في الصلاة التي فيها تشهدان قبل القيام إلى الركعة التالية.
الجلوس للتشهد الأول مشروع في الصلاة الثلاثية والرباعية، وقد عده بعض أهل العلم من واجبات الصلاة، ويجبر عندهم بسجود السهو إذا نسيه المصلي.
إذا قام المصلي من التشهد الأول ثم استتم قائمًا، فإنه لا يرجع للتشهد، بل يستمر في صلاته ويسجد للسهو في آخر الصلاة. أما إذا تذكر قبل أن يستتم قائمًا، ففي المسألة تفصيل فقهي، والأصل أن يرجع إذا كان الرجوع لا يزال قريبًا ولم يستتم قائمًا.
ثبت في حديث عبد الله بن بحينة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قام من الركعتين ولم يجلس، ثم سجد للسهو قبل السلام، رواه البخاري ومسلم.
الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير من الأعمال المشروعة المؤكدة، وقد اختلف أهل العلم في حكمها؛ فمنهم من أوجبها، ومنهم من جعلها سنة.
ثبت تعليم النبي ﷺ أصحابه كيفية الصلاة عليه بعد التشهد، ومن ذلك حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في الصحيحين.
الدعاء بعد التشهد الأخير وقبل السلام مشروع، وهو من أفضل مواضع الدعاء في الصلاة، ويُستحب للمصلي أن يتعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ثم يدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.
قال النبي ﷺ: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» رواه البخاري ومسلم.
التسليم هو ختام الصلاة، ويخرج به المصلي من الصلاة. وقد عدّه جمهور الفقهاء من أركان الصلاة أو من أجزائها الأساسية التي لا تصح الصلاة بدونها.
قال النبي ﷺ: «وتحليلها التسليم» رواه أبو داود والترمذي.
ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يسلم عن يمينه وعن شماله، واختلف الفقهاء في حكم التسليمة الثانية: فمنهم من أوجب الأولى ورأى الثانية سنة، ومنهم من أوجب التسليمتين في بعض صور الصلاة.
وردت صفة التسليمين في أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ.
الأصل أن يرفع الإمام صوته بالقدر الذي يسمع به المأمومون في المواضع التي يشرع فيها الجهر، ويُسر في مواضع الإسرار، أما المنفرد فيراعي الجهر والإسرار بحسب الصلاة، ولا يرفع صوته رفعًا يشوش على المصلين.
يجب على المسلم أن يتعلم من أحكام الصلاة ما تصح به عبادته، ومن ذلك معرفة أركانها وشروطها وواجباتها وسننها على قدر حاجته، حتى يؤدي الصلاة كما شرعها الله تعالى.
قال النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» رواه البخاري.
من أهم ما يدخل في واجبات الصلاة عند من يعتمد هذا التقسيم: التكبيرات عند الانتقال، وقول «سمع الله لمن حمده» للإمام والمنفرد، وقول «ربنا ولك الحمد»، والتسبيح في الركوع والسجود، والدعاء بين السجدتين، والتشهد الأول والجلوس له، مع مراعاة أن تفاصيل عدّ الواجبات وأحكامها تختلف بين المذاهب الفقهية.
الخلاصة: المحافظة على هدي النبي ﷺ في أقوال الصلاة وأفعالها من أعظم أسباب صحة الصلاة وكمالها، وينبغي للمسلم أن يتعلم الصفة الصحيحة للصلاة على قدر استطاعته.
9

الباب التاسع: سنن الصلاة

سنن الصلاة هي الأقوال والأفعال التي ثبتت عن النبي ﷺ في صلاته، ويُثاب المسلم على فعلها واتباع هدي النبي ﷺ فيها، ولا تبطل الصلاة بتركها في الأصل، وإن كان تعمد ترك هدي النبي ﷺ يفوّت على المصلي فضلًا وكمالًا.
ليست جميع السنن في درجة واحدة من حيث التأكيد؛ فمنها سنن مؤكدة واظب عليها النبي ﷺ، ومنها سنن أخرى فعلها أحيانًا، كما تختلف بعض التفاصيل بين المذاهب الفقهية.
نعم، رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام من السنن الثابتة عن النبي ﷺ، وقد ثبت رفعهما إلى حذو المنكبين أو الأذنين في الأحاديث الصحيحة.
ثبت ذلك في صحيح البخاري وصحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وغيره.
من المواضع الثابتة لرفع اليدين: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة، وقد وردت بذلك أحاديث صحيحة.
ورد أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه، وورد أنه كان يرفعهما حيال أذنيه، وكلا الأمرين ثبت في السنة.
وضع اليد اليمنى على اليسرى في القيام من هدي النبي ﷺ في الصلاة، وقد ثبتت فيه أحاديث، واختلف الفقهاء في موضع اليدين وكيفية وضعهما.
ثبت في السنة أن النبي ﷺ كان يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة.
ثبت أصل وضع اليمنى على اليسرى، أما موضع اليدين على الصدر أو فوق السرة أو تحتها ففيه خلاف فقهي مشهور، فلا ينبغي التشديد في مسألة وقع فيها خلاف معتبر.
دعاء الاستفتاح سنة في الصلاة عند جمهور أهل العلم، ويقال بعد تكبيرة الإحرام وقبل قراءة الفاتحة، وقد وردت له صيغ متعددة صحيحة.
لا، دعاء الاستفتاح ليس واجبًا عند جمهور أهل العلم، فمن تركه فصلاته صحيحة، لكنه يفوّت سنة من سنن الصلاة.
يشرع للمصلي أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم قبل القراءة، وقد اختلف العلماء في حكم الاستعاذة في الصلاة، والأكثرون على أنها سنة.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
البسملة مشروعة قبل قراءة الفاتحة، وقد اختلف العلماء في حكمها وفي الجهر بها في الصلاة الجهرية، والأفضل للمسلم أن يتبع ما ثبت لديه من السنة وما عليه أهل العلم المعتبرون في مذهبه.
قول «آمين» بعد الفاتحة سنة ثابتة، ومعناها: اللهم استجب. ويشرع للإمام والمأموم والمنفرد، ويجهر بها الإمام والمأموم في الصلاة الجهرية على قول جمهور أهل العلم.
قال النبي ﷺ: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا» رواه البخاري ومسلم.
قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من الصلوات المفروضة سنة عند جمهور أهل العلم، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يقرأ بعد الفاتحة سورة أو شيئًا من القرآن.
الأصل أن يقتصر المصلي في الركعة الثالثة والرابعة من الصلاة الرباعية، والثالثة من الصلاة الثلاثية، على الفاتحة، وقد ثبت عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورة، وفي الأخريين بأم الكتاب.
الحديث رواه البخاري ومسلم.
الجهر بالقراءة في مواضعه من سنن الصلاة عند جمهور أهل العلم، ومن الصلوات الجهرية: الفجر، والركعتان الأوليان من المغرب والعشاء، مع وجود تفاصيل فقهية في بعض المواضع.
الإسرار بالقراءة في مواضعه سنة من سنن الصلاة، ومن الصلوات السرية: الظهر والعصر، والركعة الثالثة من المغرب، والركعتان الثالثة والرابعة من العشاء.
يستحب للمصلي أن يكون نظره إلى موضع سجوده في حال قيامه، وأن يحافظ على الخشوع وعدم الالتفات ببصره إلى ما يشغله، مع وجود تفصيل فقهي في بعض هيئات النظر أثناء الصلاة.
نعم، التدبر والخشوع من أعظم مقاصد الصلاة، وينبغي للمصلي أن يستحضر معاني ما يقرأه من القرآن والأذكار، وأن يجتهد في حضور قلبه بين يدي الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.
من السنة أن يضع المصلي كفيه على ركبتيه أثناء الركوع، ويفرّج أصابعه باعتدال، مع استقامة الظهر بحسب استطاعته.
ثبتت صفة ركوع النبي ﷺ في أحاديث صحيحة، ومنها حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه.
نعم، يشرع للمصلي أن يرفع من الركوع حتى يستوي قائمًا ويطمئن، وقد أمر النبي ﷺ بذلك في حديث الرجل الذي لم يحسن صلاته.
وردت أحاديث في كيفية الهوي إلى السجود، واختلف أهل العلم في تقديم اليدين أو الركبتين، ولذلك فالمسألة من مسائل الخلاف الفقهي، ولا ينبغي الإنكار الشديد فيها.
يضع المصلي كفيه على الأرض في السجود، وتكون الأصابع موجهة إلى القبلة، وقد وردت السنة في هيئة وضع اليدين في السجود.
الدعاء في السجود من السنن العظيمة، وهو موضع يرجى فيه إجابة الدعاء، ويشرع للمصلي أن يدعو بما ينفعه من خيري الدنيا والآخرة، بعد الإتيان بالأذكار المشروعة.
قال النبي ﷺ: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» رواه مسلم.
يجوز للمصلي أن يطيل السجود للدعاء في صلاة النافلة، وفي الفريضة يراعي حاله وحال المأمومين، ولا يشق عليهم، والإمام مأمور بمراعاة المصلين خلفه.
قال النبي ﷺ: «إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء» رواه البخاري ومسلم.
من أهم سنن الصلاة: رفع اليدين في المواضع الواردة، ووضع اليمنى على اليسرى في القيام، ودعاء الاستفتاح، والاستعاذة، والبسملة، وقول «آمين»، وقراءة ما تيسر بعد الفاتحة، والجهر والإسرار في مواضعهما، وهيئات الركوع والسجود، والإكثار من الدعاء في السجود، وسائر السنن الثابتة عن النبي ﷺ.
الخلاصة: المحافظة على سنن الصلاة تزيد الصلاة كمالًا، وتعين على الاقتداء بالنبي ﷺ، وينبغي للمسلم أن يتعلمها تدريجيًا دون أن يجعل الخلاف الفقهي سببًا للنزاع بين المسلمين.
10

الباب العاشر: مكروهات الصلاة

مكروهات الصلاة هي الأقوال أو الأفعال التي لا تليق بالمصلي أثناء صلاته، أو ورد النهي عنها نهي تنزيه، وهي لا تبطل الصلاة في الأصل، لكنها تنقص من كمالها وخشوعها بحسب نوع المكروه.
لا، المكروه في الأصل لا يبطل الصلاة، وإنما يفوّت على المصلي كمال الأجر والخشوع. أما بعض الأفعال المنهي عنها فقد تصل إلى التحريم أو تؤثر في صحة الصلاة إذا كانت من مبطلاتها أو تضمنت ترك ركن أو شرط.
الالتفات بالوجه أو البصر في الصلاة من الأمور التي ينبغي للمصلي اجتنابها، وقد يكون مكروهًا إذا كان يسيرًا بلا حاجة، أما الالتفات الذي يخرج عن جهة القبلة أو يكون لحاجة فله أحكام أخرى بحسب حاله.
سُئل النبي ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» رواه البخاري.
لا يبطل الالتفات اليسير للحاجة الصلاة في الأصل، فقد يحتاج المصلي إلى النظر أو الالتفات لمعرفة أمر مهم، لكن ينبغي ألا يكثر منه بلا حاجة؛ لأن الخشوع من مقاصد الصلاة.
رفع البصر إلى السماء أثناء الصلاة منهي عنه، وينبغي للمصلي أن يتجنب ذلك ويحافظ على أدبه وخشوعه في الصلاة.
قال النبي ﷺ: «لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم» رواه البخاري ومسلم.
العبث بالثوب أو الجسم من غير حاجة ينافي الخشوع ويُكره إذا كان يسيرًا، أما الحركة الكثيرة المتوالية بغير ضرورة فقد تؤثر في صحة الصلاة عند الفقهاء.
يجوز تعديل الملابس عند الحاجة، مثل إزالة ما يؤذي المصلي أو ستر موضع انكشف، أما كثرة العبث بالملابس من غير حاجة فهي خلاف الخشوع.
يكره للمسلم أن يدخل في الصلاة وهو يدافع البول أو الغائط إذا كان ذلك يشغله عن الخشوع، ويستحب له قضاء حاجته أولًا ثم الوضوء والصلاة، ما لم يخف خروج الوقت.
قال النبي ﷺ: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» رواه مسلم.
إذا حضر الطعام وكان المصلي محتاجًا إليه ويتعلق قلبه به، فالأصل أن يبدأ بالطعام إذا كان وقت الصلاة متسعًا، حتى يدخل الصلاة وقلبه أهدأ وأجمع للخشوع.
قال النبي ﷺ: «لا صلاة بحضرة الطعام» رواه مسلم.
إذا بلغ النعاس بالمصلي حدًّا لا يدري معه ما يقول، فإنه ينبغي له أن يقطع النفل أو يؤخره حتى يذهب عنه النعاس، أما الفريضة فيحافظ عليها في وقتها مع بذل السبب لإزالة النعاس.
قال النبي ﷺ: «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه» رواه البخاري ومسلم.
ينبغي للمصلي أن يتخذ الأسباب التي تعينه على الخشوع، كاختيار مكان مناسب أو لبس ما يقيه من الحر والبرد، ولا ينبغي أن يعرض نفسه لما يشوش عليه الصلاة إذا أمكنه دفع ذلك.
ينبغي للمسلم أن يتجنب الصلاة في المكان الذي توجد فيه صور أو زخارف تشغله عن صلاته، خصوصًا إذا كانت أمامه أو في موضع نظره، والمحافظة على الخشوع أولى.
ثبت أن النبي ﷺ صلى في خميصة ذات أعلام، فلما فرغ أخبر أنها شغلته عن صلاته، رواه البخاري ومسلم.
وجود الزخارف لا يعني بطلان الصلاة في ذاته، لكن إذا كانت الزخارف تشغل المصلين وتذهب بخشوعهم فهي أمر ينبغي تقليله واجتنابه قدر الإمكان.
إذا كان أمام المصلي شيء يشبه ما يعظمه أهل الباطل أو يشغله عن الصلاة، فينبغي اجتنابه. أما مجرد وجود النار أو المدفأة في المكان فلا يبطل الصلاة، والحكم يختلف بحسب القصد والصورة والحال.
تصح الصلاة في المكان الطاهر المباح إذا استوفى المصلي شروط الصلاة وأركانها، لكن الأفضل اختيار مكان هادئ بعيد عن مرور الناس إذا تيسر، حفاظًا على الخشوع وعدم التشويش على الآخرين.
لا تصح الصلاة في موضع قضاء الحاجة عند جمهور أهل العلم؛ لما ورد من النهي عن الصلاة في الحمام. أما الأماكن المخصصة للوضوء والتي ليست موضعًا لقضاء الحاجة فلها حكم آخر بحسب طهارتها وحالها.
ورد النهي عن الصلاة في الحمام في أحاديث، وتفصيل حكمها محل بحث فقهي.
نهى النبي ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وجاء النهي عن اتخاذ القبور مساجد. وتفاصيل حكم الصلاة في المقبرة تختلف باختلاف موضع الصلاة وصورتها، ويجب اجتناب الصلاة عند القبور تعظيمًا لشعيرة التوحيد وسدًا لوسائل الشرك.
قال النبي ﷺ: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» رواه مسلم.
مرور الكلب لا يعني تلقائيًا بطلان الصلاة، لكن ينبغي للمصلي اتخاذ سترة إذا كان يصلي في مكان يمر فيه الناس أو الحيوانات، ومنع ما يستطيع من المرور بينه وبين سترته.
تشبيك الأصابع أثناء الصلاة من الأمور التي كرهها بعض أهل العلم، ولا سيما إذا كان المصلي في انتظار الصلاة أو في أثناء الصلاة، والأولى تركه طلبًا لكمال الخشوع واتباعًا للهدي الوارد.
فرقعة الأصابع والعبث بها من الأمور التي ينبغي للمصلي تركها؛ لأنها تشغله وتنافي الخشوع، وقد كرهها أهل العلم في الصلاة.
الأصل أن يصلي المسلم بعينيه مفتوحتين، ولا يُشرع له تعمد إغماضهما بلا سبب، لكن إذا كان فتح العينين يسبب له تشويشًا شديدًا، جاز له إغماضهما للحاجة، ولا تبطل الصلاة بذلك.
الحركة اليسيرة للحاجة لا تبطل الصلاة، أما كثرة الحركة المتوالية التي لا تتعلق بالصلاة فقد تخل بصورتها، وقد يحكم ببطلان الصلاة عند بلوغها حدًا كبيرًا بحسب العرف والفقه المتبع.
يجوز للمصلي أن يحك جسده عند الحاجة، كوجود حكة أو ألم، ولا حرج عليه في ذلك ما دام لا يكثر من الحركة ولا يعبث بلا سبب.
لا ينبغي للمصلي أن يكثر من مسح وجهه أو جبهته أثناء الصلاة من غير حاجة، أما إذا احتاج إلى إزالة تراب أو عرق أو أذى فلا حرج عليه، والمسألة فيها تفصيل فقهي بحسب مقدار الفعل وحاجته.
من أهم ما ينبغي للمصلي اجتنابه: كثرة الالتفات، والعبث بالثياب والجسد، والانشغال بالزخارف والصور، ومدافعة البول والغائط، والصلاة بحضور طعام يشتهيه مع سعة الوقت، وكثرة الحركة بلا حاجة، ورفع البصر إلى السماء، وكل ما يصرف القلب عن الوقوف بين يدي الله تعالى.
الخلاصة: الخشوع روح الصلاة، وكلما ابتعد المصلي عن أسباب التشويش والعبث كان أقرب إلى حضور القلب وتعظيم الله تعالى.
11

الباب الحادي عشر: مبطلات الصلاة

مبطلات الصلاة هي الأمور التي إذا وقعت من المصلي على وجهٍ معتبر شرعًا أفسدت صلاته، فلا بد من إعادتها، ويختلف الحكم في بعض الصور بحسب العمد والسهو والجهل والإكراه.
لا، هناك مبطلات متفق على أصل تأثيرها في الصلاة، وهناك مسائل وقع فيها خلاف فقهي معتبر؛ لذلك ينبغي التفريق بين ما ثبت بدليل واضح وبين المسائل المختلف فيها.
الكلام الأجنبي عن الصلاة إذا صدر عمدًا من المصلي وهو يعلم أنه في الصلاة يفسد الصلاة عند جمهور أهل العلم، أما الذكر والدعاء وقراءة القرآن وما تدعو إليه الحاجة الشرعية فله أحكامه الخاصة.
قال النبي ﷺ: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» رواه مسلم.
الكلام الصادر نسيانًا أو جهلًا له تفصيل عند أهل العلم، وقد دلّت السنة على أن من تكلم في الصلاة جاهلًا بالحكم لا يلزم أن تكون صلاته كصلاة المتعمد، ولذلك تُراعى حال المصلي وسبب الكلام.
الضحك بصوت في الصلاة يفسدها عند جمهور أهل العلم، بخلاف مجرد التبسم الذي لا يصاحبه صوت فإنه لا يبطل الصلاة في الأصل.
مجرد التبسم من غير صوت لا يبطل الصلاة في الأصل، لكنه ينافي كمال الخشوع إذا كان متكررًا أو بسبب الانشغال بأمور خارج الصلاة.
الأكل والشرب عمدًا في الصلاة يفسدان الصلاة عند أهل العلم، سواء كانت فريضة أو نافلة، لأنهما من الأفعال المنافية لهيئة الصلاة.
إذا بقي في الفم شيء يسير جدًا من الطعام فابتلعه المصلي من غير قصد الأكل المعتاد، فلا يُعامل معاملة الأكل الكثير في الأصل، أما تعمد تناول الطعام ومضغه أثناء الصلاة فيفسدها.
شرب الماء عمدًا أثناء الصلاة يبطلها عند أهل العلم؛ لأنه من الأكل والشرب المنافيين للصلاة، أما إذا كان هناك أمر اضطراري فله حكمه بحسب حال المصلي.
الحركة الكثيرة المتوالية التي لا تكون لحاجة، والتي تخرج الصلاة عن هيئتها المعتادة، قد تبطل الصلاة عند الفقهاء. أما الحركة اليسيرة أو الحركة للحاجة فلا تبطل الصلاة في الأصل.
لم يرد في النص تحديد عدد معين للحركات، ولذلك رجع الفقهاء في تقدير الكثرة إلى العرف وهيئة الصلاة، فما كان كثيرًا متواليًا بحيث يقال لمن يراه: ليس هذا في صلاة، فهو أقرب إلى الحركة المبطلة عند من يعتبر هذا الضابط.
لا تبطل الصلاة الحركة التي يحتاج إليها المصلي، مثل دفع ضرر، أو فتح باب عند الحاجة، أو حمل طفل، أو إنقاذ شخص، ما دامت في حدود الحاجة ولا تخرج الصلاة عن هيئتها بصورة فاحشة.
إذا فقد المصلي شرطًا من شروط صحة الصلاة أثناء الصلاة، وكان الشرط لا يمكن استمرار الصلاة بدونه، فإن الصلاة لا تصح، مثل زوال الطهارة. أما إذا كان ذلك بسبب عذر أو جهل أو نسيان فهناك تفاصيل فقهية تختلف باختلاف المسألة.
إذا تيقن المصلي من انتقاض وضوئه أثناء الصلاة، بطلت صلاته؛ لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة، وعليه أن يخرج ويتوضأ ثم يستأنف الصلاة.
قال النبي ﷺ: «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» رواه البخاري ومسلم.
إذا كان متيقنًا من الطهارة ثم شك هل أحدث أم لا، فإنه يبقى على طهارته ولا يخرج من الصلاة بمجرد الشك.
قال النبي ﷺ فيمن شك في الحدث: «فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» رواه البخاري ومسلم.
إذا انكشفت العورة انكشافًا يسيرًا ثم بادر المصلي إلى سترها، فلا تبطل الصلاة في الأصل. أما إذا انكشفت انكشافًا فاحشًا أو استمر الانكشاف مدة مؤثرة مع القدرة على الستر، فله حكم آخر عند الفقهاء.
استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة مع القدرة، فمن تعمد الصلاة إلى غير القبلة مع قدرته على استقبالها لم تصح صلاته، أما العاجز أو من اجتهد في معرفة القبلة ثم أخطأ فله حكم مختلف.
الركن لا بد من الإتيان به، فإذا تركه المصلي عمدًا بطلت الصلاة، وإذا تركه سهوًا فلا يكفي سجود السهو وحده في الأصل، بل يأتي بالركن المتروك على التفصيل المعروف في أحكام السهو.
عند من يفرق بين الركن والواجب: إذا ترك الواجب عمدًا أفسد الصلاة عندهم، أما إذا تركه سهوًا فإنه يجبر بسجود السهو. وتختلف تفاصيل ذلك بحسب المذهب والمسألة.
تعمد زيادة فعل من جنس الصلاة، كتعمد زيادة ركوع أو سجود، يفسد الصلاة عند أهل العلم؛ لأنه زيادة متعمدة في العبادة. أما الزيادة سهوًا فلها أحكام سجود السهو.
إذا زاد المصلي ركعة عمدًا مع علمه بأنها زائدة، بطلت صلاته. أما إذا زادها سهوًا ثم تذكر، فإنه يرجع إلى الحكم الشرعي لسجود السهو، وتفصيل ذلك يأتي في باب مستقل.
ترتيب أركان الصلاة واجب، فلا يجوز للمصلي تعمد تغيير ترتيبها. أما إذا وقع ذلك سهوًا فله أحكام تفصيلية، ويُنظر في الركن الذي قُدم والذي أُخر وما إذا كان قد عاد إليه على الوجه الصحيح.
إذا عزم المصلي عزمًا جازمًا على قطع الصلاة والخروج منها، ثم استمر فيها، فهذه مسألة لها تفصيل عند أهل العلم، لأن النية أصل في العبادة. أما مجرد الوساوس أو الخواطر العارضة فلا تبطل الصلاة ما لم يعزم على قطعها.
إذا قطع المصلي صلاته عمدًا من غير عذر، فقد خرج منها ولا تصح صلاته التي قطعها، ويجب عليه إعادة الفريضة إذا كان وقتها باقيًا، وتفاصيل القضاء والإثم تختلف بحسب الحال.
من أهم ما ينبغي الحذر منه: تعمد الكلام الأجنبي، والأكل والشرب، والضحك بصوت، وانتقاض الطهارة، وتعمد ترك ركن أو شرط، وتعمد الزيادة في أفعال الصلاة، وكثرة الحركة التي تخرج الصلاة عن هيئتها، وقطع الصلاة عمدًا من غير عذر.
تنبيه مهم: أحكام مبطلات الصلاة قد تختلف في بعض الصور باختلاف العمد والسهو والجهل والإكراه، كما توجد مسائل خلافية بين الفقهاء؛ لذلك لا ينبغي الحكم ببطلان صلاة شخص بعينه في مسألة خلافية دون معرفة تفاصيل حاله.
12

الباب الثاني عشر: سجود السهو

سجود السهو سجدتان يشرعهما المصلي لجبر خلل وقع في الصلاة بسبب السهو، كزيادة أو نقص أو الشك في بعض صور الصلاة، وفق الأحكام التي جاءت بها السنة.
شُرع سجود السهو رحمة بالمصلين وجبرًا للنقص أو الزيادة التي تقع منهم سهوًا في الصلاة، حتى لا يضطر المسلم إلى إعادة الصلاة بسبب كل سهو عارض.
نعم، ثبت سجود السهو عن النبي ﷺ في أحاديث صحيحة متعددة، منها ما كان بسبب النقص، ومنها ما كان بسبب الزيادة، ومنها ما كان بسبب الشك.
من ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهما في الصحيحين.
الأسباب الأساسية ثلاثة: الزيادة في الصلاة، والنقص منها، والشك في عدد الركعات أو بعض أفعال الصلاة في الصور التي يشرع فيها سجود السهو.
ورد عن النبي ﷺ سجود السهو قبل السلام وبعده، ولذلك يختلف موضعه باختلاف سبب السهو وصورته، وقد اختلف الفقهاء في بعض تفاصيل ذلك.
إذا شك المصلي في عدد الركعات ولم يترجح عنده شيء، فإنه يبني على اليقين، وهو الأقل، ثم يتم صلاته ويسجد للسهو قبل السلام عند جمهور أهل العلم في هذه الصورة.
قال النبي ﷺ: «فليطرح الشك وليبن على ما استيقن» رواه مسلم.
إذا شك المصلي وغلب على ظنه أحد الأمرين، فإنه يعمل بغالب ظنه ويتم الصلاة، ثم يسجد للسهو، وقد ورد في السنة ما يدل على ذلك.
قال النبي ﷺ: «فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين» رواه البخاري ومسلم.
إذا تساوى الاحتمالان ولم يترجح أحدهما، يبني المصلي على الأقل المتيقن منه. أما إذا غلب على ظنه أحد الاحتمالين، فإنه يعمل بغالب ظنه، ولكل صورة حكمها في سجود السهو.
إذا طرأ الشك بعد الفراغ من الصلاة فلا يلتفت إليه في الأصل، إلا إذا تبين له يقينًا وجود نقص في الصلاة؛ لأن الشك الطارئ بعد العبادة لا يُلتفت إليه بمجرد الاحتمال.
من ابتُلي بكثرة الشكوك والوساوس في الصلاة فلا ينبغي له أن يلتفت إلى الشكوك المتكررة، بل يبني على الأصل ولا يعيد الصلاة بسبب كل شك، حتى لا يتحول الأمر إلى وسوسة تفسد عليه عبادته.
إذا نسي المصلي التشهد الأول وقام إلى الركعة التالية، فإنه لا يرجع بعد استتمام قيامه، بل يكمل صلاته ويسجد للسهو، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ.
حديث عبد الله بن بحينة رضي الله عنه في الصحيحين.
لا يشرع سجود السهو لمجرد ترك سنة عارضة من سنن الصلاة عند جمهور أهل العلم، وإنما يشرع عند وجود سبب معتبر، كترك واجب عند من يقول بوجوبه، أو حصول زيادة أو نقص أو شك.
إذا زاد المصلي ركعة سهوًا ثم تذكر أثناءها، فإنه يجلس متى علم بالزيادة، ثم يتم صلاته ويسجد للسهو، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى خمسًا فسجد للسهو بعد السلام.
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين.
لا، سجود السهو شُرع لجبر السهو، أما تعمد الزيادة في الصلاة فليس عذرًا ينجبر بسجود السهو، بل الزيادة العمدية في أركان الصلاة أو ركعاتها قد تفسد الصلاة.
إذا سلم المصلي قبل إتمام الصلاة سهوًا ثم تذكر بعد وقت يسير، فإنه يقوم فيكمل ما بقي من صلاته، ثم يسجد للسهو، وقد ثبتت هذه الصورة في حديث ذي اليدين.
حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة ذي اليدين، رواه البخاري ومسلم.
إذا تذكر المصلي النقص بعد مدة طويلة، فالمسألة فيها تفصيل فقهي، ويرجع الحكم إلى مقدار النقص وطول الفصل وما إذا كان قد انتقض وضوؤه أو تغير حاله. وفي مثل هذه المسائل يُرجع إلى أهل العلم الموثوقين.
إذا سجد الإمام للسهو وجب على المأموم متابعته في سجود السهو؛ لأن النبي ﷺ قال إن الإمام إنما جعل ليؤتم به.
قال النبي ﷺ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» رواه البخاري ومسلم.
إذا كان المأموم خلف الإمام فإن الأصل أن يتابع إمامه، ولا ينفرد بسجود السهو عن الإمام في أثناء الاقتداء، وتفاصيل من فاته بعض الصلاة لها أحكام خاصة.
المسبوق يتابع الإمام في سجود السهو، ثم إذا سلم الإمام قام ليكمل ما فاته من الصلاة، وتفاصيل سجود السهو للمسبوق تختلف بحسب وقت سجود الإمام وسبب السهو.
يسجد المصلي للسهو كما يسجد في الصلاة، فيكبر عند الهوي إلى السجود وعند الرفع منه في المواضع المشروعة، ثم يأتي بسجدتين.
سجود السهو سجدتان، يفصل بينهما جلوس، كما في سجود الصلاة.
يقول في سجود السهو ما يقوله في سجود الصلاة، فيسبح الله تعالى ويدعو بما ورد من الدعاء، وليس هناك ذكر خاص ثابت يلزم لسجود السهو دون سجود الصلاة.
لا، ليس كل خطأ في الصلاة يوجب سجود السهو؛ فالخطأ قد يكون في ركن أو شرط أو سنة أو واجب، ولكل واحد حكمه. كما أن الشك والزيادة والنقص لها صور متعددة.
لا يكفي سجود السهو وحده لجبر ترك ركن من أركان الصلاة؛ لأن الركن لا بد من الإتيان به. فإذا ترك المصلي ركنًا سهوًا وجب عليه تداركه على حسب موضع تذكره، ثم يسجد للسهو عند وجود سببه.
سجود السهو شُرع لجبر الخلل الناتج عن السهو في الصلاة. فإذا حصل نقص أو زيادة أو شك، ينظر المصلي في نوع السهو: فإن كان شكًا بنى على اليقين عند عدم الترجيح، أو عمل بغالب الظن عند الترجيح، وإن حصلت زيادة أو نقص فلكل صورة حكمها.
قاعدة مهمة: سجود السهو لا يغني عن الإتيان بالشرط أو الركن الذي لا تصح الصلاة بدونه، وإنما يكون جابرًا للخلل في المواضع التي شرعه فيها النبي ﷺ.
13

الباب الثالث عشر: صلاة الجماعة والإمامة

صلاة الجماعة هي أن يؤدي اثنان فأكثر الصلاة معًا، بحيث يقتدي المأموم بالإمام ويتابعه في أفعال الصلاة وانتقالاتها.
صلاة الجماعة من أعظم شعائر الإسلام، وقد اختلف الفقهاء في حكمها للرجال: فمنهم من أوجبها على القادرين، ومنهم من قال بسنيتها المؤكدة. والأدلة الواردة فيها تدل على عظم شأنها وعدم التهاون بها.
قال تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43].
نعم، صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد، وقد ورد في السنة بيان فضلها وأنها تزيد على صلاة الفرد بدرجات كثيرة.
قال النبي ﷺ: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» رواه البخاري ومسلم.
تنعقد الجماعة بإمام ومأموم، فيكون العدد اثنين على الأقل، وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى بابن عباس رضي الله عنهما في جماعة.
الأولى بالإمامة من كان أقرأ لكتاب الله وأعلم بالسنة وأحسن أداءً للصلاة، مع مراعاة ما ورد في السنة من ترتيب أهل الإمامة.
قال النبي ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» رواه مسلم.
لا يشترط أن يكون الإمام حافظًا للقرآن كاملًا، وإنما العبرة بقدرته على أداء الصلاة وقراءته الصحيحة، والأعلم والأقرأ أولى بالإمامة عند اجتماع المؤهلات.
تصح إمامة الصبي المميز في بعض صور الإمامة، وقد وردت آثار وأحاديث في إمامة الصبي، لكن تفاصيل المسألة تختلف باختلاف نوع الصلاة ومذهب الفقيه، ولذلك ينبغي مراعاة قول أهل العلم في الحالة المعينة.
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز إمامة المرأة للنساء في الجملة، وقد ورد عن بعض الصحابيات ما يدل على ذلك، وتكون المرأة وسط الصف عند إمامتها للنساء عند من قال بذلك.
الأصل في أحكام الإمامة أن إمامة الرجال تكون للرجال، وقد جرى عمل المسلمين وفق ذلك، ولا تكون المرأة إمامًا للرجال في الصلوات المفروضة عند جمهور أهل العلم.
تقف المرأة التي تؤم النساء وسط الصف، وليس أمامهن كوقوف الإمام من الرجال، وقد ورد ذلك عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما.
إذا كان مع الإمام مأموم واحد من الرجال، فإنه يقف عن يمين الإمام قريبًا منه، كما ثبت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
تقف النساء خلف الرجال في صفوف مستقلة، وهذا هو هدي النبي ﷺ في صلاة الجماعة.
قال النبي ﷺ: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» رواه مسلم.
الأصل أن يقف المأموم خلف الإمام، ولا يتقدم عليه في المكان المعتاد للصلاة، لأن المقصود من الاقتداء أن يكون الإمام متقدمًا والمأمومون خلفه.
تسوية الصفوف من السنن المؤكدة في صلاة الجماعة، وقد أمر النبي ﷺ بتسوية الصفوف وإتمامها، لما في ذلك من كمال هيئة الجماعة وانتظام المصلين.
قال النبي ﷺ: «سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» رواه البخاري ومسلم.
نعم، السنة أن يبدأ المصلون بالصف الأول ثم الذي يليه، وأن يحرصوا على إتمام الصفوف وسد الفُرَج قبل الانتقال إلى صف آخر.
الاقتداء يعني أن يتابع المأموم إمامه في أفعال الصلاة وانتقالاتها، فلا يتعمد مخالفته، بل ينتقل بعد انتقال الإمام مع المحافظة على أركان الصلاة وطمأنينتها.
لا يجوز للمأموم تعمد مسابقة الإمام في أفعال الصلاة، بل المشروع أن يتابعه، وقد ورد الوعيد الشديد فيمن يرفع رأسه قبل الإمام.
قال النبي ﷺ: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار» رواه البخاري ومسلم.
الأصل أن يتابع المأموم الإمام ولا يتأخر عنه تأخرًا يخرجه عن المتابعة. أما التأخر اليسير لعذر أو لإتمام فعل الصلاة فلا يأخذ حكم التعمد، وتفاصيل ذلك عند الفقهاء.
يقول المأموم «آمين» عند انتهاء الإمام من قراءة الفاتحة، ويشرع له أن يوافق الإمام فيها، لما ورد في السنة من فضل موافقة تأمين الملائكة.
قال النبي ﷺ: «إذا أمن الإمام فأمنوا» رواه البخاري ومسلم.
اختلف العلماء في قراءة المأموم للفاتحة خلف الإمام، وخاصة في الصلاة الجهرية، فمنهم من أوجب قراءتها، ومنهم من فصل بين الجهرية والسرية، ومنهم من رأى أن قراءة الإمام تكفي في بعض الصور. والمسألة من مسائل الخلاف الفقهي المعتبر.
إذا لم يسمع المأموم قراءة الإمام لبعده أو بسبب الضوضاء أو ضعف الصوت، فإنه يعمل بما يراه من قول أهل العلم في قراءة الفاتحة، ولا ينشغل بمحاولة سماع الإمام على حساب الطمأنينة والمتابعة.
يدخل مع الإمام على الحال التي وجده عليها، فإن أدرك الركوع مع الإمام قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة عند جمهور العلماء، مع التكبير قائمًا ثم الركوع، ولا يركع قبل أن يصل إلى الصف.
قال النبي ﷺ: «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة» رواه البخاري ومسلم.
لا، السنة أن يأتي إلى الصلاة بسكينة ووقار، ولا يركض ولو خشي فوات الركعة، ثم يدخل مع الإمام فيما أدركه.
المسبوق هو من فاته بعض الصلاة مع الإمام، فإذا سلم الإمام قام المسبوق فأتم ما فاته من الصلاة، مع مراعاة أحكام الركعات التي أدركها والتي فاتته.
من أهم آداب الجماعة: المحافظة على الصلاة في وقتها، وتسوية الصفوف وسد الفُرَج، ومتابعة الإمام وعدم مسابقته، وحسن اختيار الإمام، والحرص على الطمأنينة والخشوع، وعدم التشويش على المصلين.
قال النبي ﷺ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا» رواه البخاري ومسلم.
14

الباب الرابع عشر: صلاة الجمعة

صلاة الجمعة صلاة مفروضة تؤدى جماعة يوم الجمعة بدل صلاة الظهر، وتشتمل على خطبتين ثم صلاة ركعتين يجهر فيهما الإمام بالقراءة.
تجب الجمعة على المسلم البالغ العاقل القادر المقيم الذي لا عذر له يمنعه من حضورها، وتفصيل الشروط وعدد المصلين من مسائل الخلاف الفقهي.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].
لا تجب صلاة الجمعة على المرأة، لكن إذا حضرت الجمعة وصلتها مع المسلمين صحت منها وأجزأتها عن صلاة الظهر.
قال النبي ﷺ: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة...» وذكر منهم المرأة، رواه أبو داود، وصححه جماعة من أهل العلم.
الأصل أن صلاة الجمعة لا تجب على المسافر، وله أن يصلي الظهر، وإذا حضر الجمعة وصلاها مع المسلمين أجزأته عن الظهر.
المريض الذي يتضرر بحضور الجمعة أو يخشى زيادة مرضه أو تأخر شفائه بسبب الحضور يكون معذورًا، ويصلي الظهر في وقتها.
وقت الجمعة محل خلاف بين الفقهاء، فمنهم من يرى أنه يبدأ بعد الزوال كوقت الظهر، ومنهم من أجاز فعلها قبل الزوال، وقد ثبتت أحاديث في وقت صلاة النبي ﷺ يوم الجمعة.
صلاة الجمعة ركعتان، يجهر الإمام فيهما بالقراءة، وهذا ثابت بالسنة العملية عن النبي ﷺ.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ» رواه النسائي وابن ماجه، وصححه أهل العلم.
السنة أن يخطب الإمام خطبتين يفصل بينهما بجلوس يسير، ثم تقام الصلاة ويصلي بالناس ركعتين.
ثبت ذلك من هدي النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة.
خطبة الجمعة تكون قبل الصلاة، وهذا هو هدي النبي ﷺ الثابت، بخلاف خطبة العيد التي تكون بعد الصلاة.
يجب على من حضر الخطبة أن ينصت للخطيب وألا يشتغل بالكلام واللغو؛ لأن المقصود من الخطبة الاستماع والانتفاع بالموعظة.
قال النبي ﷺ: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت» رواه البخاري ومسلم.
الأصل الإنصات وعدم الكلام، لكن قد توجد حالات اضطرارية أو حاجة معتبرة لها أحكام خاصة، فينبغي عدم التوسع في الكلام أثناء الخطبة.
لا ينبغي الانشغال بالهاتف أثناء الخطبة؛ لأن ذلك ينافي مقصود الإنصات، ويُستحب إغلاقه أو وضعه على الصامت قبل الخطبة.
ينبغي للمسلم أن يترك العبث أثناء الخطبة وأن يستمع للخطيب، لأن كثرة الحركة والانشغال عن الخطبة ينافيان كمال الأدب مع شعيرة الجمعة.
غسل الجمعة من السنن المؤكدة، والأفضل أن يكون قريبًا من الذهاب إلى الجمعة حتى يتحقق المقصود من النظافة وحسن الرائحة وعدم إيذاء المصلين.
قال النبي ﷺ: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» رواه البخاري ومسلم، وقد اختلف العلماء في حمل لفظ «واجب» هنا على الوجوب أو التأكيد الشديد.
من آداب الجمعة: الاغتسال، والتطيب، ولبس أحسن الثياب، والتبكير إلى المسجد، وكثرة الصلاة على النبي ﷺ، وقراءة سورة الكهف عند من أخذ باستحبابها، والإنصات للخطبة.
التبكير إلى الجمعة من الأعمال الفاضلة، وقد ورد في السنة أن الملائكة تكتب المتقدمين إلى الجمعة بحسب سبقهم في المجيء.
قال النبي ﷺ: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على أبواب المسجد يكتبون الأول فالأول» رواه البخاري ومسلم.
لا ينبغي تخطي رقاب المصلين وإيذاؤهم للوصول إلى مكان متقدم، وقد نهى النبي ﷺ رجلًا عن ذلك أثناء الخطبة.
قال النبي ﷺ لرجل تخطى رقاب الناس: «اجلس فقد آذيت» رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه أهل العلم.
لا يجوز تعمد المرور بين يدي المصلي إذا كان له سترة أو كان قريبًا من موضع سجوده، ويجب مراعاة حرمة الصلاة وعدم إيذاء المصلين.
يدخل المسجد ولا يجلس حتى يصلي ركعتين خفيفتين، ثم يجلس ويستمع إلى الخطبة.
قال النبي ﷺ للرجل الذي دخل والإمام يخطب: «قم فصل ركعتين وتجوز فيهما» رواه البخاري ومسلم.
السنة أن يصليهما خفيفتين، حتى يجلس بعدهما ويستمع إلى الخطبة، كما أمر النبي ﷺ الرجل الذي دخل والإمام يخطب.
من أدرك ركعة من صلاة الجمعة مع الإمام قبل أن يرفع الإمام من ركوعها فقد أدرك الجمعة، فيضيف إليها ركعة بعد سلام الإمام. أما من لم يدرك الركعة فيصلي ظهرًا أربع ركعات.
قال النبي ﷺ: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» رواه البخاري ومسلم.
إذا لم يدرك ركعة كاملة مع الإمام فإنه لا يكون قد أدرك الجمعة، فإذا سلم الإمام يقوم ويصلي صلاة الظهر أربع ركعات.
من فاتته صلاة الجمعة ولم يدرك منها ركعة مع الإمام فإنه يصلي الظهر أربع ركعات، لأن الجمعة لا تُقضى بعد فواتها على هيئة الجمعة منفردًا.
المرأة غير المطالبة بالجمعة تصلي الظهر في وقتها، ولا يلزمها انتظار انتهاء صلاة الجمعة في المسجد، مع مراعاة دخول وقت الظهر على القول الذي يجعل الجمعة بعد الزوال.
صلاة الجمعة شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وهي ركعتان تسبقهما خطبتان. وينبغي للمسلم القادر على حضورها أن يحرص عليها، وأن يتبكر إليها، ويستمع إلى الخطبة، ويتجنب اللغو وتخطي الرقاب وإيذاء المصلين، ومن فاتته الجمعة صلى الظهر.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].
15

الباب الخامس عشر: صلاة المسافر

المسافر هو من خرج من بلده قاصدًا الانتقال إلى مكان آخر مسافةً تُعد سفرًا في عرف الناس، وتترتب على السفر أحكام شرعية، منها القصر في الصلاة على قول جمهور الفقهاء، مع اختلافهم في تحديد مسافة السفر ومدته.
تبدأ أحكام السفر بعد خروج المسافر من حدود بلده وعمرانه على قول جمهور أهل العلم، وليس بمجرد نية السفر أو تجهيز الأمتعة.
قصر الصلاة هو أن يصلي المسافر الصلاة الرباعية ركعتين بدل أربع، في الظهر والعصر والعشاء، أما الفجر والمغرب فلا قصر فيهما.
لا تقصر صلاة الفجر؛ لأنها ركعتان أصلًا، فيصليها المسافر ركعتين كما يصليها المقيم.
لا تقصر صلاة المغرب، فهي ثلاث ركعات للمسافر والمقيم، وإنما القصر يكون في الصلوات الرباعية فقط.
الصلوات التي تقصر هي الظهر والعصر والعشاء، فتصلى كل واحدة منها ركعتين أثناء السفر المستجمع لشروط القصر.
القصر متعلق بالسفر الذي تتحقق فيه أحكام السفر شرعًا، وقد اختلف العلماء في تحديد المسافة التي يثبت بها حكم السفر، فمنهم من قدرها بمسافة معينة، ومنهم من ردها إلى العرف.
نعم، ثبت قصر النبي ﷺ للصلاة في أسفاره، وهو من السنن الثابتة والرخص الشرعية للمسافر.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101].
اختلف الفقهاء في حكم القصر للمسافر؛ فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه رخصة وسنة مؤكدة، وذهب بعض العلماء إلى وجوبه في السفر. ولذلك لا ينبغي إنكار المسألة بإطلاق، وهي من مسائل الخلاف الفقهي.
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الإتمام للمسافر، وإن كان القصر هو السنة عندهم، بينما ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب القصر. والمسألة من مسائل الخلاف المعتبر.
ينتهي حكم السفر بالرجوع إلى البلد والإقامة فيها، أو بنية الإقامة المستقرة في مكان الوصول على التفصيل المعروف عند الفقهاء، وقد اختلف العلماء في المدة التي تنقطع بها أحكام السفر.
إذا وصل المسافر إلى المكان المقصود ولم ينوِ إقامة تقطع حكم السفر عند القول الذي يأخذ به، فإنه يستمر في أحكام السفر. أما إذا نوى إقامة مستقرة أو مدة تقطع حكم السفر عند مذهبه، فإنه يتم الصلاة.
نعم، السفر للعمل لا يمنع من رخصة القصر إذا تحققت شروط السفر، فالعبرة بوصف السفر وأحكامه، وليس بكون الغرض منه عملًا أو تجارة أو زيارة أو غير ذلك من الأغراض المباحة.
نعم، السفر بالطائرة يأخذ حكم السفر إذا تحققت شروطه، فيجوز للمسافر القصر في الصلوات الرباعية، مع مراعاة أحكام الصلاة في الطائرة عند دخول الوقت وعدم القدرة على النزول.
نعم، إذا كان السفر بالسيارة سفرًا معتبرًا شرعًا، فللمسافر أحكام السفر ومنها القصر، ويحرص على أداء الصلاة على الوجه الصحيح بحسب استطاعته.
نعم، يجوز للمسافر أن يصلي خلف إمام مقيم، فإذا صلى خلفه في صلاة رباعية أتم الصلاة أربع ركعات؛ لأن المأموم مأمور بمتابعة إمامه.
ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن المسافر يصلي خلف المقيم فقال: «يصلي أربعًا».
نعم، يجوز للمقيم أن يصلي خلف الإمام المسافر، فإذا سلم الإمام بعد ركعتين قام المقيم فأتم ما بقي من صلاته أربعًا.
يدخل مع الإمام فيما أدركه، وبعد سلام الإمام يتم صلاته بحسب ما أدركه من الركعات، وتفصيل كيفية حساب الركعات له باب مستقل من أحكام المسبوق.
إذا كان الشخص لا يزال في حكم المسافر جاز له القصر في الفندق أو مكان إقامته المؤقت، مع مراعاة حكم نية الإقامة والمدة عند أهل العلم.
القصر لا يعني سقوط الجماعة، فالمسافر إذا وجد جماعة مشروعة يصلي معهم، وإذا كان الإمام مسافرًا قصر، وإذا كان الإمام مقيمًا أتم المأموم الصلاة معه.
ثبتت رخصة الجمع للمسافر في الجملة، فيجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، جمع تقديم أو تأخير بحسب الحاجة والظروف، مع وجود خلاف فقهي في بعض تفاصيل الجمع.
لا، القصر يتعلق بعدد الركعات، فتصير الصلاة الرباعية ركعتين، أما الجمع فيتعلق بضم وقت صلاتين، كالظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء. وقد يجتمع القصر والجمع في السفر.
نعم، للمسافر أن يقصر الصلاة إذا صلى منفردًا، إذا تحققت شروط القصر.
يجوز للمسافر صلاة النوافل، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتنفل على راحلته في السفر، ومن السنن المؤكدة التي حافظ عليها في السفر صلاة الوتر وركعتا الفجر.
ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كان يصلي النافلة على راحلته في السفر حيث توجهت به.
من أهم أحكام صلاة المسافر: معرفة متى يبدأ حكم السفر، وقصر الظهر والعصر والعشاء إلى ركعتين عند تحقق شروطه، ومعرفة حكم الصلاة خلف المقيم أو المسافر، والجمع عند الحاجة وفق الأحكام الشرعية، وعدم ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101].
16

الباب السادس عشر: صلاة المريض وأصحاب الأعذار

لا تسقط الصلاة عن المسلم بسبب المرض ما دام عقله حاضرًا، وإنما يصلي بحسب استطاعته، فيأتي بما يقدر عليه من القيام والركوع والسجود، وينتقل إلى ما يستطيع عند العجز.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
الأصل أن يؤدي المريض الصلاة على الهيئة المعتادة إذا كان قادرًا عليها، فإذا عجز عن شيء منها انتقل إلى البدل الذي يقدر عليه، من غير أن يترك الصلاة.
إذا كان المريض قادرًا على القيام دون مشقة شديدة أو ضرر معتبر، فإنه يصلي قائمًا في الصلاة المفروضة؛ لأن القيام ركن مع القدرة عليه.
يجوز للمريض أن يصلي جالسًا إذا عجز عن القيام أو كان القيام يشق عليه مشقة شديدة أو يسبب له ضررًا معتبرًا، ويقدر ذلك بحسب حاله وقدرته.
قال النبي ﷺ لعمران بن حصين رضي الله عنه: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» رواه البخاري.
مجرد التعب المعتاد لا يسقط القيام، لكن إذا كان التعب شديدًا أو يخشى المريض زيادة المرض أو تأخر الشفاء أو وقوع ضرر بسبب القيام، جاز له الصلاة جالسًا.
يصلي جالسًا بحسب استطاعته، ويأتي بالركوع والسجود إن كان قادرًا عليهما، فإن عجز عن السجود أومأ له، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
نعم، يجوز للمريض الصلاة على الكرسي عند الحاجة، لكن عليه أن يأتي بما يستطيع من أركان الصلاة، فلا يجلس على الكرسي في موضع يستطيع فيه القيام أو السجود على الأرض بلا مشقة معتبرة.
إذا عجز عن الركوع الحقيقي أومأ للركوع بقدر استطاعته، فإن كان قادرًا على الانحناء بعض الشيء فعل، ولا يكلف نفسه ما يضر به.
إذا عجز عن السجود أومأ إليه إيماءً، ويكون إيماؤه للسجود أخفض من إيمائه للركوع بحسب استطاعته.
لا يجب وضع وسادة أو شيء مرتفع للسجود، بل إذا عجز المريض عن السجود الحقيقي فإنه يومئ برأسه، ولا يحتاج إلى رفع شيء ليضع جبهته عليه.
نعم، إذا عجز عن الصلاة قائمًا وقاعدًا جاز له أن يصلي على جنبه بحسب استطاعته، فإن عجز عن ذلك صلى مستلقيًا على ظهره، ويومئ للركوع والسجود.
يصلي على جنبه مستقبلًا القبلة بقدر استطاعته، والأصل أن يكون على الجانب الأيمن إن تيسر، فإن تعذر أو شق عليه جاز على الجانب الآخر بحسب القدرة.
يصلي بحسب قدرته، فيأتي بما يستطيع من الأفعال، ويومئ برأسه أو بعينيه عند العجز عن الحركة على التفصيل الذي يقرره أهل العلم للحالة الخاصة، ولا تسقط الصلاة ما دام العقل حاضرًا.
اختلف العلماء في جمع المريض، فمن أهل العلم من أجازه عند وجود مشقة أو حاجة معتبرة، ومنهم من ضيق فيه. فإذا احتاج المريض إلى الجمع بسبب المشقة فليرجع إلى قول أهل العلم الموثوقين في حالته.
المرض وحده ليس سببًا للقصر، وإنما القصر من أحكام السفر. أما المريض المقيم فيصلي الصلاة كاملة، مع انتقاله إلى الصلاة جالسًا أو بالإيماء إذا عجز عن القيام أو السجود.
إذا كان حضور الجماعة يشق على المريض أو يضر به، فهو معذور في تركها، ويصلي في المكان الذي يستطيع فيه أداء الصلاة بأمان وطمأنينة.
إذا كان الإمام يصلي جالسًا لعجزه، فالمأموم القادر يصلي قائمًا على الراجح من أقوال أهل العلم، ولا يجلس لمجرد جلوس الإمام، مع وجود خلاف فقهي في بعض صور المسألة.
يجوز للمريض أن يستعين بغيره في الانتقال أو القيام أو الجلوس إذا احتاج إلى ذلك، لأن المقصود أداء الصلاة بحسب الاستطاعة، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
إذا صلى المريض جالسًا أو على حسب استطاعته أثناء وقت العجز، ثم شُفي بعد الصلاة، فلا تلزمه إعادة الصلاة لمجرد أنه أصبح قادرًا بعد أدائها؛ لأنه أدى ما وجب عليه بحسب استطاعته وقت الصلاة.
إذا بدأ الصلاة قائمًا ثم عجز أثناءها عن القيام، فإنه ينتقل إلى الجلوس، فإن عجز عن الجلوس انتقل إلى ما يستطيع، ويكمل صلاته ولا يقطعها لمجرد حصول العجز.
يقوم في الموضع الذي يجب فيه القيام، ثم يركع بحسب استطاعته، فإذا عجز عن السجود أومأ للسجود وهو قائم أو جالس بحسب قدرته، ولا يسقط القيام لمجرد العجز عن السجود.
لا يجوز تعمد إخراج الصلاة عن وقتها انتظارًا للشفاء، بل يصلي المريض في الوقت بحسب استطاعته، فالمرض لا يسقط الصلاة ولا يبيح تأخيرها بلا عذر شرعي معتبر.
إذا كان استعمال الماء يضر بالمريض أو يمنع الطبيب من استعماله وكان لا يستطيع الوضوء بالماء، فإنه ينتقل إلى التيمم عند تحقق شروطه، ثم يصلي ولا يؤخر الصلاة عن وقتها.
قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43].
فاقد الوعي لا يستطيع أداء الصلاة حال فقدان وعيه، وتفاصيل ما يلزمه بعد الإفاقة تختلف بحسب مدة فقدان الوعي وحالته، وهي من المسائل التي تحتاج إلى معرفة السبب والمدة وحكم أهل العلم.
القاعدة أن المسلم يؤدي الصلاة بحسب استطاعته، فيأتي بما يقدر عليه من القيام والركوع والسجود، فإن عجز انتقل إلى الجلوس أو الإيماء أو غير ذلك من صور العجز، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها لمجرد المرض. فالشريعة مبناها على رفع الحرج والتكليف بحسب القدرة.
قال النبي ﷺ: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» رواه البخاري.
17

الباب السابع عشر: الجمع والقصر

الجمع هو ضم صلاتين من الصلوات التي يجمع بينها شرعًا في وقت إحداهما، فيُصلَّى الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، إما في وقت الصلاة الأولى ويسمى جمع تقديم، أو في وقت الثانية ويسمى جمع تأخير.
يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. أما الفجر فلا يجمع مع غيره من الصلوات.
لا يجمع العصر مع المغرب؛ لأن الجمع المشروع يكون بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
جمع التقديم هو أداء الصلاتين في وقت الصلاة الأولى، مثل أن يصلي المسافر الظهر والعصر معًا في وقت الظهر، أو المغرب والعشاء في وقت المغرب، عند تحقق سبب الجمع.
جمع التأخير هو تأخير الصلاة الأولى إلى وقت الصلاة الثانية، مثل تأخير الظهر والعصر إلى وقت العصر، أو المغرب والعشاء إلى وقت العشاء، عند وجود سبب يبيح الجمع.
ليسا شيئًا واحدًا، والقصر من خصائص السفر في الأصل، أما الجمع فقد يشرع في السفر، وقد يشرع في حالات أخرى عند وجود الحاجة أو العذر عند طائفة من أهل العلم، كالمطر والمرض ونحو ذلك بحسب التفصيل الفقهي.
نعم، يجوز عند من يرى القصر سنة والجمع رخصة مستقلة، فيمكن للمسافر أن يجمع الصلاة ويتمها، كما يمكنه أن يقصر دون جمع.
نعم، القصر والجمع رخصتان منفصلتان، فيجوز للمسافر أن يقصر الصلاة في أوقاتها دون أن يجمع بينها، وهذا هو الأصل إذا لم توجد حاجة إلى الجمع.
ليس الجمع لازمًا في كل سفر، بل إذا كان المسافر قادرًا على أداء كل صلاة في وقتها من غير مشقة فالأصل أن يصلي كل صلاة في وقتها، وله الجمع عند الحاجة أو المشقة وفق الأحكام الشرعية.
المسألة مرتبطة بتحقق وصف السفر الذي تترتب عليه الرخص، وقد اختلف العلماء في تحديد مسافة السفر. فإذا كان الطريق يعد سفرًا شرعًا عند القول الذي يأخذ به المسلم جاز له الانتفاع برخص السفر.
أجاز جمع التقديم بسبب المطر طائفة من أهل العلم، خصوصًا إذا كان المطر يشق معه الذهاب إلى المسجد، بينما اختلف الفقهاء في شروط الجمع بسبب المطر وصوره.
الجمع للمريض من المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من أجازه عند وجود مشقة معتبرة، ومنهم من لم يوسعه. فإذا كان المرض يجعل أداء كل صلاة في وقتها شديد المشقة، فيُرجع إلى قول أهل العلم الموثوقين في الحالة.
مجرد الانشغال بالعمل أو صعوبة تنظيم الوقت لا يبيح إخراج الصلاة عن وقتها. ويجب على المسلم ترتيب عمله بحيث يؤدي الصلاة في وقتها، ولا يلجأ للجمع إلا عند وجود عذر شرعي معتبر على قول من يجيزه في مثل تلك الحال.
الأصل أن الامتحان والدراسة لا يبيحان إخراج الصلاة عن وقتها، فينبغي الاستعداد للصلاة وتنظيم الوقت لأدائها. ولا يُترك الفرض بسبب أمر يمكن تنظيمه عادة.
الأصل أداء الصلاة في وقتها، لكن إذا وجدت حالة ضرورية أو مشقة شديدة لا يمكن دفعها، فالجمع من المسائل التي أجازها بعض أهل العلم للحاجة، ويقدر ذلك بحسب الحالة ولا يجعل عادة بلا حاجة.
نية الجمع من المسائل التي اختلف الفقهاء في تفاصيلها، وخاصة بين جمع التقديم وجمع التأخير. ولذلك ينبغي لمن أراد الجمع أن يتبع الطريقة المعتمدة عند أهل العلم الذين يأخذ بقولهم.
الأصل في الجمع تقديم الصلاة الأولى ثم الثانية؛ فيصلي الظهر قبل العصر، والمغرب قبل العشاء، وتفصيل حكم الترتيب عند النسيان أو العذر من مسائل الفقه.
الأصل أن كل صلاة تؤدى في وقتها، ولا يجوز تعمد الجمع دون سبب شرعي معتبر؛ لأن الصلوات المفروضة مرتبطة بأوقات محددة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].
لا يثبت للمسافر حكم السفر بمجرد نية السفر وهو داخل بلده، ولذلك لا يترخص برخص السفر لمجرد تجهيز الرحلة. أما الجمع لأسباب أخرى معتبرة فله أحكامه الخاصة.
العبرة بخروج المسافر من حدود بلده وعمرانه عند جمهور أهل العلم. فإذا كان المطار خارج البلد وقد بدأ حكم السفر، جاز له القصر، أما إذا كان المطار داخل بلده فلا يترخص بالقصر لمجرد وجوده فيه.
إذا تحقق وصف السفر جاز للمسافر الانتفاع برخص السفر، ومنها القصر، والجمع عند الحاجة. ويجب عليه أداء الصلاة بحسب استطاعته ومراعاة دخول الوقت والقبلة والطهارة قدر الإمكان.
إذا كانت الرحلة البحرية سفرًا معتبرًا شرعًا جاز للمسافر القصر، وله الجمع عند وجود سببه، ويصلي على السفينة بحسب استطاعته مع استقبال القبلة والقيام والركوع والسجود متى قدر على ذلك.
هذه المسألة تعتمد على تحقق وصف السفر شرعًا وعلى حال الشخص، وقد اختلف العلماء في بعض صور السفر المتكرر. فإذا كان انتقاله يُعد سفرًا شرعيًا على القول الذي يأخذ به جاز له القصر، أما مجرد التنقل المعتاد داخل البلد أو ما لا يعد سفرًا فلا تترتب عليه رخص السفر.
إذا اقتدى المسافر بإمام مقيم في صلاة رباعية فإنه يتم الصلاة أربع ركعات، ولا يقصر خلف الإمام المقيم؛ لأن المأموم يتبع إمامه في الصلاة.
القصر هو تحويل الصلاة الرباعية إلى ركعتين للمسافر، أما الجمع فهو ضم الظهر إلى العصر أو المغرب إلى العشاء في وقت إحداهما عند وجود سببه. والقصر والجمع رخصتان مستقلتان، ولا يجوز استعمالهما بلا سبب شرعي معتبر، مع مراعاة الخلاف الفقهي في بعض التفاصيل.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101].
18

الباب الثامن عشر: صلاة العيدين

صلاة العيدين هي الصلاة التي تؤدى في صباح يوم عيد الفطر وصباح يوم عيد الأضحى، وقد شرعها الله تعالى وأظهر فيها المسلمون شعيرة الاجتماع والفرح المشروع وشكر الله تعالى.
العيدان هما عيد الفطر، ويكون في أول يوم من شهر شوال، وعيد الأضحى، ويكون في اليوم العاشر من شهر ذي الحجة.
اختلف أهل العلم في حكم صلاة العيدين؛ فمنهم من قال إنها سنة مؤكدة، ومنهم من قال إنها فرض كفاية، ومنهم من أوجبها على الأعيان بشروطها. ولذلك ينبغي عدم إنكار القول المعتبر في هذه المسألة.
يبدأ وقت صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس قيد رمح تقريبًا، أي بعد خروج وقت النهي عن الصلاة، ويمتد وقتها إلى قبيل زوال الشمس.
ينتهي وقت صلاة العيد بزوال الشمس ودخول وقت الظهر؛ فإذا لم تؤدَّ صلاة العيد حتى خرج وقتها، فحكم قضائها محل تفصيل وخلاف بين أهل العلم.
صلاة العيد ركعتان، يجهر فيهما الإمام بالقراءة، ثم يخطب بالناس بعد الصلاة.
خطبة العيد تكون بعد الصلاة، وهذا هو هدي النبي ﷺ؛ بخلاف خطبة الجمعة التي تكون قبل الصلاة.
وردت صفات متعددة في عدد التكبيرات الزوائد في صلاة العيد، ومن أشهرها التكبير سبعًا في الركعة الأولى وخمسًا في الركعة الثانية، غير تكبيرة الإحرام وتكبيرة الانتقال عند من يقول بهذه الصفة. والمسألة من مسائل الخلاف الفقهي المعتبر.
تكون التكبيرات الزوائد في أول الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام، وفي أول الركعة الثانية بعد تكبيرة القيام، على الصفة التي اختارها الإمام أو المذهب الذي يتبعه.
إذا نسي المصلي التكبيرات الزوائد فلا يقطع الصلاة ولا يرجع إليها بعد الشروع في القراءة، وصلاته صحيحة، وتفصيل سجود السهو في حال تركها يختلف بحسب اعتبارها في المذهب الفقهي.
يستحب الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب للعيد، مع مراعاة الضوابط الشرعية، لأن العيد يوم اجتماع وزينة وشعيرة ظاهرة للمسلمين.
نعم، يستحب أن يأكل المسلم قبل خروجه إلى صلاة عيد الفطر، وقد ثبت عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات.
رواه البخاري.
يستحب في عيد الأضحى أن يؤخر المسلم الأكل حتى يرجع من صلاة العيد، ويأكل من أضحيته إن تيسر له ذلك، وقد ورد في ذلك حديث بريدة رضي الله عنه.
يشرع التكبير في العيد، وهو من شعائر المسلمين الظاهرة. ويُشرع في عيد الفطر من غروب شمس ليلة العيد إلى خروج الإمام للصلاة على قول جمهور أهل العلم، وفي عيد الأضحى يشرع التكبير المطلق من دخول عشر ذي الحجة، ويشرع التكبير المقيد عقب الصلوات المفروضة من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق عند كثير من أهل العلم، مع وجود خلاف في بعض التفاصيل.
من صيغ التكبير المشهورة: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». وقد وردت صيغ أخرى عن السلف، والأمر في صيغة التكبير واسع ما دامت مشتملة على تعظيم الله تعالى وذكره.
يشرع للنساء الخروج لصلاة العيد إذا التزمن بالآداب والضوابط الشرعية، وقد أمر النبي ﷺ النساء بالخروج إلى مصلى العيد، مع مراعاة أحكام الحيض؛ فالحيض يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى.
الحائض لا تصلي الصلاة حال حيضها، لكنها تُشرع لها شهود اجتماع المسلمين والاستماع إلى الخير والدعاء، مع اعتزال موضع الصلاة على ما ورد في السنة.
لا يشرع لصلاة العيد أذان ولا إقامة، وإنما ينادى لها بغير ذلك، ولا يثبت في السنة أذان أو إقامة لصلاة العيدين.
لا يثبت عن النبي ﷺ أنه أمر بالنداء بـ«الصلاة جامعة» لصلاة العيد، ولذلك لا يشرع اتخاذه نداءً ثابتًا لها.
السنة أن تؤدى صلاة العيد في المصلى خارج البلد أو في المكان المعد لاجتماع الناس إذا تيسر ذلك، وقد تصلى في المسجد عند الحاجة أو وجود عذر، كالمطر أو ضيق المكان أو غير ذلك.
إذا فاتت المسلم صلاة العيد مع الجماعة أو تعذر عليه حضورها، فقد اختلف العلماء في قضائها في البيت، ومن أهل العلم من أجاز لمن فاتته أن يصليها على صفتها، ومنهم من رأى غير ذلك. والمسألة محل خلاف معتبر.
من فاتته صلاة العيد مع الإمام ينظر في حكم قضائها بحسب حاله ووقت فواتها، وقد أجاز جماعة من أهل العلم أن يصليها ركعتين على صفتها إذا فاتته مع الإمام، بينما توجد أقوال أخرى في المسألة.
التهنئة بالعيد من العادات المباحة عند أهل العلم، ولا حرج في تهنئة المسلمين بالعيد بألفاظ حسنة مثل: «تقبل الله منا ومنكم» أو «عيد مبارك»، ما لم يعتقد أن لفظًا معينًا سنة لازمة لم يثبت بها دليل.
نعم، ثبت عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا كان يوم عيد خالف الطريق، أي ذهب من طريق ورجع من طريق آخر، وقد رواه البخاري. ويُستحب الاقتداء به في ذلك.
من أهم آداب العيد: الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب، والتكبير، وإظهار الفرح المباح، والتبكير إلى الصلاة، والاستماع إلى الخطبة، وتهنئة المسلمين، وصلة الأرحام، واجتناب المعاصي والإسراف، وشكر الله تعالى على نعمه.
قال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].
19

الباب التاسع عشر: صلاة الكسوف والخسوف

صلاة الكسوف والخسوف صلاة مشروعة عند حدوث كسوف الشمس أو خسوف القمر، وهي من السنن المؤكدة التي شرعها النبي ﷺ عند وقوع هذه الآيات، وحث على الصلاة والدعاء والذكر والاستغفار.
يستعمل لفظ الكسوف والخسوف للشمس والقمر، فيقال كسوف الشمس وخسوف القمر، وقد يطلق كل من اللفظين على الآخر في لغة العرب.
صلاة الكسوف والخسوف سنة مؤكدة عند جمهور أهل العلم، وقد ثبتت عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا، وأمر عند رؤية الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر والاستغفار.
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأى المسلم الكسوف صلى ودعا الله حتى ينجلي.
متفق عليه.
يبدأ وقت الصلاة من ظهور الكسوف أو الخسوف، وتستمر الصلاة والدعاء حتى ينجلي. فإذا انجلى الكسوف انتهى وقت صلاة الكسوف.
إذا انجلى الكسوف قبل أن يبدأ المسلم الصلاة فقد انتهى وقتها، ولا تشرع الصلاة بعد الانجلاء على أنها صلاة كسوف. أما إذا بدأ الصلاة ثم انجلى الكسوف أثناءها، فإنه يتمها على صفتها ثم ينصرف.
صلاة الكسوف ركعتان، لكن صفتها تختلف عن الصلاة المعتادة؛ ففي كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجدتان، على ما ثبت في السنة الصحيحة.
يكبر الإمام ويحرم، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة، ثم يركع ركوعًا طويلًا، ثم يرفع ويقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقرأ الفاتحة وقراءة طويلة لكنها دون القراءة الأولى، ثم يركع ركوعًا ثانيًا أقصر من الأول، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم للركعة الثانية.
يفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، لكن تكون القراءة والركوع الثانيان أقصر من سابقهما، ثم يسجد سجدتين، ويتشهد ويسلم.
ثبت الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف عن النبي ﷺ، ولذلك يُشرع للإمام أن يجهر بالقراءة فيها، سواء كان الكسوف للشمس أو الخسوف للقمر.
السنة إطالة القراءة والركوع والسجود في صلاة الكسوف، ما لم يشق ذلك على المصلين. وكلما كان الكسوف أطول كان من المناسب إطالة الصلاة والدعاء حتى ينجلي.
يشرع له الصلاة والدعاء والذكر والاستغفار والصدقة، والرجوع إلى الله تعالى والتوبة، حتى ينجلي الكسوف.
لا، فالكسوف والخسوف ليسا بسبب موت شخص أو حياته أو ولادته، وقد نفى النبي ﷺ ذلك صراحة، وبين أنهما من آيات الله التي يخوف بها عباده.
قال النبي ﷺ: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته». رواه البخاري ومسلم.
تصح صلاة الكسوف من المسلم منفردًا، وتشرع أيضًا جماعة، وقد صلاها النبي ﷺ بالناس جماعة.
لا يشترط وجود إمام لصحة الصلاة من حيث الأصل، فيمكن للمسلم أن يصليها منفردًا، والأفضل في حق الرجال أن تؤدى جماعة إذا تيسر ذلك.
نعم، تشرع للمرأة صلاة الكسوف كما تشرع للرجل، ولها أن تصلي في بيتها، ويجوز لها حضور الجماعة إذا أمنت الفتنة والتزمت بالآداب الشرعية.
نعم، السنة أن يجتمع الناس لصلاة الكسوف في المسجد، وقد خرج النبي ﷺ إلى المسجد وصلى بالناس حين كسفت الشمس.
لا يشرع لصلاة الكسوف أذان ولا إقامة، وإنما ينادى لها بقول: «الصلاة جامعة» كما ثبت في السنة.
يشرع الدعاء في صلاة الكسوف، وخاصة في السجود، ويشرع كذلك الدعاء خارج الصلاة والاستغفار والذكر والصدقة.
نعم، ثبت في السنة الأمر بالدعاء والذكر والاستغفار والصدقة عند حدوث الكسوف، فينبغي للمسلم أن يبادر إلى طاعة الله تعالى والتوبة إليه.
نعم، ورد الأمر بالصدقة مع الصلاة والدعاء والذكر والاستغفار عند الكسوف، ولذلك يستحب للمسلم أن يتصدق ويكثر من أعمال البر.
إذا انجلى الكسوف أثناء الصلاة، فإنه يكمل الصلاة على صفتها، ولا يبدأ صلاة جديدة بسبب الانجلاء، ثم يدعو ويذكر الله بحسب ما تيسر.
يقدم الصلاة المفروضة إذا خشي خروج وقتها، لأن الفرض مقدم، ثم يصلي صلاة الكسوف إن بقي الكسوف ووقتها، وتفصيل ترتيب الصلاتين عند ضيق الوقت يرجع إلى الأحكام الفقهية الخاصة بكل حالة.
الأصل أن صلاة الكسوف صلاة واحدة ذات ركعتين، لكن يمكن إطالتها بالقيام والركوع والسجود والدعاء حتى ينجلي الكسوف، ولا تشرع صلاة مستقلة متكررة لمجرد طول مدة الكسوف على الصورة المعتادة.
عند حدوث الكسوف أو الخسوف يشرع للمسلم أن يفزع إلى الصلاة، ويكثر من الدعاء والذكر والاستغفار والصدقة والتوبة، وأن يتذكر قدرة الله تعالى وعظمته، وألا يربط هذه الآية بموت أحد أو ولادته.
قال النبي ﷺ: «فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا». رواه البخاري ومسلم بمعناه.
20

الباب العشرون: صلاة الاستسقاء

صلاة الاستسقاء هي الصلاة التي يشرعها المسلمون عند انقطاع المطر أو تأخره وحاجتهم إلى الماء، فيتوجهون إلى الله تعالى بالدعاء والصلاة والاستغفار والتوبة، طلبًا لغيثه ورحمته.
صلاة الاستسقاء سنة مشروعة ثابتة عن النبي ﷺ، وقد فعلها وخرج بالناس إليها ودعا الله تعالى واستغفره.
تشرع عند حاجة الناس إلى الماء بسبب انقطاع المطر أو قلته أو تأخره، فيلجأ المسلمون إلى الله تعالى بالصلاة والدعاء والاستغفار والتوبة.
لا، بل الاستسقاء أوسع من الصلاة، فيشرع الدعاء والاستغفار والتوبة والصدقة والإكثار من أعمال البر، ويشرع كذلك طلب السقيا في الدعاء المعتاد.
ثبت أن النبي ﷺ خرج بالناس إلى المصلى، فصلى ركعتين، ثم دعا الله تعالى واستسقاه، ورفع يديه، وحول رداءه في الاستسقاء.
رواه البخاري ومسلم.
صلاة الاستسقاء ركعتان، وتؤدى على صفة قريبة من صلاة العيد، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى للاستسقاء ركعتين.
نعم، ثبتت صلاة الاستسقاء ركعتين، ووردت صفتها على نحو يشبه صلاة العيد في الجهر والركعتين والتكبيرات الزوائد عند من أخذ بهذه الصفة، مع وجود خلاف فقهي في بعض تفاصيلها.
لا يشرع لصلاة الاستسقاء أذان ولا إقامة؛ لأنها من الصلوات التي لم يثبت عن النبي ﷺ أنه أذن لها أو أقام.
السنة أن يخرج الناس إلى المصلى أو مكان واسع خارج البلد إذا تيسر، ويجوز أداؤها في المسجد عند الحاجة أو بحسب ما يراه ولي الأمر وأهل العلم مناسبًا.
وقتها كوقت صلاة العيد في الجملة، فتؤدى بعد ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال، على ما جرى عليه كثير من أهل العلم.
الدعاء والاستغفار وطلب السقيا يشرعان في أوقات كثيرة، أما صلاة الاستسقاء جماعة فلها صفتها ووقتها المعروف، وتراعى فيها أوقات النهي وأحكام الصلاة.
نعم، الاستغفار والتوبة من أعظم ما يناسب حال الاستسقاء؛ لأن المسلم يفتقر إلى رحمة الله تعالى ويطلب منه رفع البلاء وإنزال الغيث.
قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: 10-11].
التوبة والاستغفار من أسباب الخير والرحمة، وقد ربط القرآن بين الاستغفار ونزول المطر في قصة نوح عليه السلام، ولذلك يشرع للمسلمين التوبة والاستغفار عند طلب الغيث.
الصدقة من أعمال البر المشروعة في كل وقت، وهي من الأعمال المناسبة عند الشدة والحاجة، فيستحب للمسلم الإكثار من الصدقة والإحسان مع التوبة والدعاء.
يشرع اجتماع المسلمين لصلاة الاستسقاء، ويخرج الرجال والنساء والصبيان عند الحاجة مع مراعاة الآداب والضوابط الشرعية، وقد ثبت خروج النساء والصبيان في الاستسقاء.
نعم، يجوز للمرأة حضور صلاة الاستسقاء مع التزامها بالحجاب والآداب الشرعية وأمن الفتنة، وقد ورد خروج النساء في صلاة الاستسقاء.
يجوز خروج الصبيان مع الناس إذا كان في ذلك مصلحة وتحت إشراف أوليائهم، وقد جاء في السنة ما يدل على اجتماع الناس في الاستسقاء وإخراج الضعفاء والصبيان.
ثبتت الخطبة في الاستسقاء عن النبي ﷺ، وقد اختلف العلماء في بعض تفاصيل موضعها وكيفيتها، والأصل أن الإمام يعظ الناس ويذكرهم بالله تعالى ويدعو لهم بالغيث.
وردت صفة الخطبة بعد الصلاة، وورد في بعض الروايات ما يدل على الدعاء والاستسقاء أثناء الخطبة، ولذلك توجد تفاصيل فقهية في ترتيب الخطبة والصلاة، والمقصود الأعظم هو تحقيق سنة الاستسقاء والدعاء.
ينبغي أن يذكر الناس بالله تعالى، ويحثهم على التوبة والاستغفار وترك المعاصي، ويكثر من الدعاء وطلب الغيث، ويذكرهم برحمة الله تعالى وافتقار العباد إليه.
نعم، ثبت رفع النبي ﷺ يديه في دعاء الاستسقاء، وكان يرفع يديه رفعًا ظاهرًا، ولذلك يشرع للإمام والمصلين رفع الأيدي عند الدعاء.
ثبت ذلك في أحاديث صحيحة، منها ما رواه البخاري ومسلم.
من الأدعية الثابتة: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا»، ومنه أيضًا: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، مريئًا مريعًا، نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل». ويجوز الدعاء بكل دعاء صحيح مناسب لطلب الغيث.
إذا نزل المطر شرع أن يقول المسلم: «اللهم صيبًا نافعًا»، شكرًا لله تعالى وسؤالًا أن يجعل المطر نافعًا مباركًا.
رواه البخاري.
إذا خيف ضرر المطر جاز الدعاء بسؤال الله تعالى أن يصرفه إلى مواضع الانتفاع، ومن الدعاء الثابت: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر».
رواه البخاري ومسلم.
ينبغي للمسلمين أن يلجؤوا إلى الله تعالى، ويكثروا من الاستغفار والتوبة والدعاء والصدقة وأعمال البر، ويقيموا صلاة الاستسقاء عند الحاجة، مع حسن الظن بالله تعالى والافتقار إليه، وتجنب اليأس والقنوط.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
21

الباب الحادي والعشرون: صلاة الجنازة

صلاة الجنازة هي الصلاة التي يصليها المسلمون على الميت المسلم قبل دفنه، وهي عبادة يقصد بها الدعاء للميت والاستغفار له والشفاعة فيه بالخير.
صلاة الجنازة فرض كفاية؛ إذا قام بها من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن الباقين، وإذا تركها الجميع مع القدرة أثموا.
ورد في السنة فضل عظيم للصلاة على الميت واتباع جنازته، ومن ذلك قول النبي ﷺ إن من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان.
متفق عليه.
المشهور أن صلاة الجنازة تكون بأربع تكبيرات، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ، ووردت زيادة على الأربع في بعض الآثار، لكن الأربع هي الصفة المشهورة المعمول بها.
لا، صلاة الجنازة ليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما يقوم المصلي ويكبر التكبيرات المعروفة ويدعو للميت ثم يسلم.
نعم، صلاة الجنازة صلاة، فيشترط لها ما يشترط للصلاة من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والنية، على التفصيل المعروف في أحكام الصلاة.
الأصل الوضوء مع القدرة على استعمال الماء، ويجوز التيمم عند وجود سببه الشرعي، كالعجز عن استعمال الماء أو عدم وجوده، وتفاصيل التيمم للجنازة محل بحث فقهي.
السنة أن يقف الإمام عند رأس الرجل، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ.
وردت السنة أن يقف الإمام عند وسط المرأة، وهو قول مشهور عند أهل العلم.
نعم، يجوز أن يصلى على أكثر من جنازة في صلاة واحدة، ويجعل المصلون الجنائز أمامهم، ويجوز أن تكون الجنائز من الرجال والنساء، مع مراعاة أحكام ترتيبها.
بعد التكبيرة الأولى يقرأ المصلي سورة الفاتحة، وقد اختلف أهل العلم في بعض تفاصيل القراءة في صلاة الجنازة، لكن قراءة الفاتحة ثابتة عن بعض الصحابة رضي الله عنهم.
يصلي المصلي على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية، والصلاة الإبراهيمية من الصيغ المشهورة في ذلك.
يدعو المصلي للميت بعد التكبيرة الثالثة، ومن الأدعية الثابتة: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله...» مع اختلاف ألفاظ الدعاء الواردة في السنة.
رواه مسلم.
بعد التكبيرة الرابعة يدعو المصلي للميت بما تيسر، ثم يسلم، وقد وردت صيغ متعددة للدعاء بعد التكبيرة الرابعة.
ثبت رفع اليدين مع التكبيرة الأولى، واختلف أهل العلم في رفعهما مع بقية التكبيرات، فمنهم من استحبه، ومنهم من لم يره سنة ثابتة. وهي مسألة فقهية خلافية.
التكبير في صلاة الجنازة يكون مسموعًا للمصلين، أما القراءة والدعاء فيكونان سرًّا في الأصل، فلا يرفع الإمام صوته بهما كرفع القراءة في الصلوات الجهرية.
يجوز الصلاة على الجنازة في المسجد، وقد صلى النبي ﷺ على بعض الجنائز في المسجد، كما ثبت في السنة.
الأصل أن يصلى على الميت قبل دفنه، وهذا هو المعروف من هدي النبي ﷺ، لكن وردت مشروعية الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الميت قبل دفنه.
نعم، ثبت أن النبي ﷺ صلى على قبر بعدما دفن صاحبه، وهذا يدل على مشروعية الصلاة على القبر لمن فاتته صلاة الجنازة، مع اختلاف أهل العلم في المدة والتفاصيل.
رواه البخاري ومسلم.
يشرع الصلاة على الطفل المسلم، ويدعى له بالرحمة والبركة، وقد ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يصلون على الأطفال.
الصلاة على السقط فيها تفصيل فقهي يتعلق بمدة الحمل وظهور علامات الحياة، وقد اختلف العلماء في بعض أحكامه، ولذلك لا يصح إطلاق حكم واحد على جميع الحالات.
ثبت أن النبي ﷺ صلى صلاة الغائب على النجاشي، ولذلك قال جماعة من أهل العلم بمشروعية صلاة الغائب، بينما فصل آخرون في ذلك، فالمسألة محل خلاف في شروطها وصورها.
رواه البخاري ومسلم.
نعم، يجوز للنساء الصلاة على الجنازة، سواء صلين عليها في المسجد أو في مكان الصلاة، مع مراعاة الضوابط الشرعية.
إذا دخل المسلم والإمام قد سبقه ببعض التكبيرات فإنه يدخل معه فيما أدرك، ثم يكمل ما فاته بعد سلام الإمام على الصفة التي قال بها أهل العلم. وتفصيل إدراك التكبيرات وما يقرأه المسبوق فيه خلاف فقهي.
صلاة الجنازة فرض كفاية، وهي صلاة دعاء للميت، ليس فيها ركوع ولا سجود، وأشهر صفتها أربع تكبيرات: بعد الأولى الفاتحة، وبعد الثانية الصلاة على النبي ﷺ، وبعد الثالثة الدعاء للميت، وبعد الرابعة الدعاء ثم السلام، مع وجود خلاف فقهي في بعض التفاصيل.
قال النبي ﷺ: «صلوا على صاحبكم». رواه البخاري ومسلم بمعناه في قصة المدين.
22

النوافل والسنن الرواتب

النوافل هي الصلوات التي شُرعت زيادةً على الصلوات المفروضة، فيتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، ومنها السنن الرواتب والوتر وقيام الليل وصلاة الضحى وغيرها.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79].
الأصل في النوافل أنها عبادات مستحبة، يثاب المسلم على فعلها ولا يأثم بتركها، بخلاف الصلوات المفروضة التي يأثم المسلم بتركها من غير عذر.
النوافل من أعظم أبواب التقرب إلى الله تعالى، وفيها جبر للنقص الذي قد يقع في الفرائض، وزيادة في الحسنات ورفعة للدرجات.
قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه».
رواه البخاري.
يبدأ المسلم بالمحافظة على الفرائض، ثم يكثر من النوافل، فيستمر في التقرب إلى الله تعالى حتى ينال محبته ورضاه.
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». رواه البخاري.
السنن الرواتب هي الصلوات النافلة المرتبطة بالصلوات المفروضة، والتي حافظ النبي ﷺ على فعلها، فصارت من آكد السنن في باب النوافل.
وردت أحاديث صحيحة في عدد من السنن الرواتب، ومن أشهر ما ورد المحافظة على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة.
قال النبي ﷺ: «من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعًا، بُني له بيت في الجنة». رواه مسلم.
من أشهر ما ورد في ذلك: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.
جاء ذلك في حديث أم حبيبة رضي الله عنها في صحيح مسلم.
سنة الفجر ركعتان تُصليان بعد دخول وقت الفجر وقبل صلاة الفريضة، وهما من آكد السنن الرواتب.
قال النبي ﷺ: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها». رواه مسلم.
ركعتا الفجر لهما فضل عظيم، وكان النبي ﷺ يحافظ عليهما محافظة شديدة.
قال النبي ﷺ: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها». رواه مسلم.
نعم، ثبت أنه ﷺ كان يخففهما، وكان يقرأ فيهما أحيانًا بسورتي الكافرون والإخلاص.
ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر بسورتي الكافرون والإخلاص.
نعم، ثبتت سنة قبل الظهر، وورد في الأحاديث أربع ركعات قبل الظهر، كما وردت ركعتان، فيكون للمسلم أن يصلي أربعًا قبل الظهر، وهو من السنن الواردة.
قالت أم حبيبة رضي الله عنها في الحديث الذي رواه مسلم: «أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها...».
ثبتت ركعتان بعد الظهر ضمن السنن الرواتب، وقد وردت أيضًا أحاديث في أربع ركعات بعد الظهر، ولذلك وردت صيغ متعددة في السنة.
من حديث أم حبيبة رضي الله عنها: «وركعتين بعدها». رواه مسلم.
نعم، ثبتت مشروعية أربع ركعات بعد الظهر في بعض الأحاديث، فيجوز للمسلم أن يصليها، وهي من النوافل المؤكدة عند من أخذ بهذا الحديث.
قال النبي ﷺ: «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار». رواه أبو داود والترمذي، وصححه أو حسنه عدد من أهل العلم.
السنة الراتبة بعد المغرب ركعتان، وكان النبي ﷺ يصليهما بعد الفريضة.
ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «وصلى ركعتين بعد المغرب في بيته». رواه البخاري ومسلم.
السنة الراتبة بعد العشاء ركعتان، ثم يصلي المسلم بعد ذلك ما شاء من النوافل، ومن ذلك الوتر وقيام الليل.
ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين بعد العشاء. رواه البخاري ومسلم.
الأصل أن صلاة النافلة في البيت أفضل إذا لم يترتب على ذلك ترك الجماعة أو تفويت فضيلة أخرى، وقد كان النبي ﷺ يصلي كثيرًا من النوافل في بيته.
قال النبي ﷺ: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». رواه البخاري ومسلم.
نعم، ثبت أن النبي ﷺ قضى سنة الفجر عندما فاتته، ولذلك يستحب لمن فاتته سنة الفجر أن يقضيها.
ثبت أن النبي ﷺ قضى ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس عندما نام هو وأصحابه عن صلاة الفجر في سفر. رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.
المسألة فيها تفصيل وخلاف بين أهل العلم، وقد ثبت عن النبي ﷺ قضاء بعض النوافل الفائتة، ولذلك يجوز قضاء السنة الراتبة الفائتة عند من قال بذلك، وخاصة السنن التي ورد النص في قضائها.
كان من هدي النبي ﷺ في السفر ترك أكثر السنن الرواتب، وكان يحافظ على سنة الفجر والوتر، وثبت عنه أنه كان يصلي النوافل على راحلته في السفر.
ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما وصف صلاة النبي ﷺ على راحلته في السفر. رواه البخاري ومسلم.
يجوز للمسلم أن يصلي النافلة جالسًا ولو كان قادرًا على القيام، لكن صلاة القائم في النافلة أفضل، وله نصف أجر صلاة القائم عند الجلوس مع القدرة بحسب ما ورد في الحديث.
قال النبي ﷺ: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم». رواه البخاري ومسلم.
نعم، يستحب التنفل قبل العصر، وقد ورد في ذلك حديث يحث على صلاة أربع ركعات قبل العصر، لكنها ليست من السنن الرواتب المؤكدة كركعتي الفجر والسنن التابعة للظهر والمغرب والعشاء.
قال النبي ﷺ: «رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا». رواه أبو داود والترمذي.
نعم، ثبت استحباب الصلاة قبل المغرب، وقد كان النبي ﷺ يرشد إليها، وبيّن أنها لمن شاء، حتى لا يعتقد وجوبها.
قال النبي ﷺ: «صلوا قبل المغرب»، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». رواه البخاري.
نعم، يُستحب التنفل بين الأذان والإقامة في غير المواضع التي ورد فيها منع أو نهي، ومن ذلك الصلاة بين الأذان والإقامة في الصلوات التي لها أذان وإقامة.
قال النبي ﷺ: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة»، قال في الثالثة: «لمن شاء». رواه البخاري ومسلم.
الأصل أن هناك أوقاتًا نُهي عن ابتداء صلاة النافلة فيها، ومنها بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، مع وجود تفصيل وخلاف فقهي في بعض الصلوات ذات الأسباب، ولذلك ينبغي معرفة الحكم المتعلق بكل حالة.
قال النبي ﷺ: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». رواه البخاري ومسلم.
النوافل باب عظيم لزيادة القرب من الله تعالى، وأهمها بعد الفرائض السنن الرواتب، ومن أشهرها اثنتا عشرة ركعة في اليوم والليلة: أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر. وينبغي للمسلم أن يحافظ عليها قدر استطاعته، مع تعلم الأحكام المتعلقة بأوقاتها وقضائها.
قال النبي ﷺ: «من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعًا، بُني له بيت في الجنة». رواه مسلم.
23

الوتر وقيام الليل

صلاة الوتر هي صلاة نافلة تُختم بها صلاة الليل، وسميت وترًا لأنها تُصلّى بعدد فردي من الركعات، وأقلها ركعة واحدة، ولها صفات متعددة ثابتة في السنة.
قال النبي ﷺ: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا». رواه البخاري ومسلم.
الوتر سنة مؤكدة عند جمهور الفقهاء، وهو من آكد النوافل التي حافظ عليها النبي ﷺ، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه، ولذلك ينبغي للمسلم ألا يفرط فيه.
قال النبي ﷺ: «إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن». رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
أقل الوتر ركعة، ويجوز أن يوتر المسلم بثلاث أو خمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة ركعة، وقد وردت صفات متعددة عن النبي ﷺ.
قال النبي ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى». رواه البخاري ومسلم.
نعم، يجوز الوتر بركعة واحدة، وهي أقل الوتر عند جمهور أهل العلم، بشرط أن تكون بعد صلاة من الليل.
قال النبي ﷺ: «فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى». رواه البخاري ومسلم.
وقت الوتر يبدأ بعد صلاة العشاء ويمتد إلى طلوع الفجر، ومن وثق من نفسه بالقيام آخر الليل فالأفضل له تأخير الوتر إلى آخر الليل، ومن خشي ألا يقوم فليوتر قبل النوم.
قال النبي ﷺ: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل». رواه مسلم.
نعم، يجوز الوتر قبل النوم، بل يُستحب لمن يخشى ألا يستيقظ آخر الليل أن يوتر قبل أن ينام.
قال النبي ﷺ: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله». رواه مسلم.
نعم، يجوز لمن أوتر أول الليل ثم قام بعد ذلك أن يصلي من قيام الليل ما شاء، لكنه لا يعيد الوتر مرة أخرى؛ لأن النبي ﷺ قال: لا وتران في ليلة.
قال النبي ﷺ: «لا وتران في ليلة». رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
قيام الليل هو الصلاة في الليل من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ويشمل التهجد وغيره من صلاة الليل، وهو من أجلّ العبادات وأعظم القربات.
قال الله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18].
قيام الليل من أفضل النوافل، وفيه خلوة بالعبد مع ربه، وقراءة للقرآن ودعاء واستغفار، وهو من أعمال الصالحين.
قال النبي ﷺ: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». رواه مسلم.
لا، قيام الليل مشروع لأمة محمد ﷺ، وقد أثنى الله تعالى على عباده المؤمنين الذين يقومون الليل، وإن كانت للنبي ﷺ خصائص في بعض أحكام قيام الليل.
قال الله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17].
يبدأ وقت قيام الليل بعد صلاة العشاء ويمتد إلى طلوع الفجر، سواء صلى المسلم في أول الليل أو وسطه أو آخره.
أفضل وقت قيام الليل هو الثلث الأخير من الليل لمن قدر على القيام فيه، لأنه وقت فاضل تكثر فيه الرحمة والإجابة والاستغفار.
قال النبي ﷺ: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر...». رواه البخاري ومسلم.
يُحسب الليل من وقت غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ثم يُقسم مجموع ساعات الليل على ثلاثة، ويكون الثلث الأخير هو الجزء الأخير قبل الفجر.
ليس لقيام الليل عدد محدد لازم، فيصلي المسلم ما تيسر له مثنى مثنى، ثم يختم بالوتر، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى إحدى عشرة ركعة، وثبتت عنه صفات أخرى.
قالت عائشة رضي الله عنها: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة». رواه البخاري ومسلم.
نعم، يجوز عند جمهور أهل العلم الزيادة على إحدى عشرة ركعة؛ لأن حديث «صلاة الليل مثنى مثنى» يدل على سعة الأمر، وقد وردت عن السلف صلوات بعدد أكبر. والمقصود المحافظة على الخشوع وعدم المشقة.
قال النبي ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى». رواه البخاري ومسلم.
يصلي المسلم ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين ويسلم، وهكذا، ثم يختم صلاته بركعة الوتر أو بما تيسر من الوتر على الصفة المشروعة.
قال النبي ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى». رواه البخاري ومسلم.
نعم، يستحب إطالة القراءة في قيام الليل لمن كان قادرًا على ذلك دون مشقة أو تضييع لحق واجب، وكان النبي ﷺ يطيل القيام والقراءة أحيانًا.
قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4].
قيام الليل أعم من التهجد، فيشمل الصلاة في الليل قبل النوم وبعده، أما التهجد فيُطلق غالبًا على الصلاة بعد النوم، ولهذا فكل تهجد قيام ليل، وليس كل قيام ليل تهجدًا بالمعنى الاصطلاحي الشائع.
من وثق من نفسه بالقيام آخر الليل فالأفضل أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل، ومن خشي ألا يستيقظ فليوتر قبل النوم، ولا يحرم نفسه من فضل قيام الليل.
نعم، صلاة الليل والوتر مشروعة للمرأة كما هي مشروعة للرجل، ولها أن تصلي في بيتها، بل صلاة النافلة في البيت أفضل في الأصل.
قال النبي ﷺ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». رواه البخاري ومسلم.
يجوز قيام الليل جماعة أحيانًا، وقد صلى النبي ﷺ ببعض أصحابه جماعة في الليل، لكن لا يلزم أن تكون صلاة الليل جماعة دائمًا، وقد تكون صلاة الفرد في بيته أفضل في النوافل.
من أشهر ما ورد في قنوت الوتر الدعاء الذي علّمه النبي ﷺ للحسن بن علي رضي الله عنهما: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت...».
رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
القنوت في الوتر مشروع، لكن اختلف أهل العلم في حكمه، وليس من أركان صلاة الوتر عند جمهور الفقهاء، فلا ينبغي التشديد في هذه المسألة أو تبديع من تركه.
من كانت له عادة من قيام الليل فغلبه النوم أو المرض، يُشرع له أن يصلي من النهار ما كان يصليه من الليل شفعًا، كما ثبت عن النبي ﷺ.
قالت عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله ﷺ إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة». رواه مسلم.
يبدأ المسلم بالمحافظة على الفرائض، ثم يجعل لنفسه وردًا ثابتًا من قيام الليل ولو كان قليلًا، ويحافظ على الوتر، وينام مبكرًا قدر استطاعته، ويستعين بالله تعالى، ولا يحمّل نفسه ما لا تطيق. ومن خشي ألا يقوم آخر الليل فليوتر قبل النوم، ومن وثق من نفسه بالقيام فليؤخر الوتر إلى آخر الليل.
قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». رواه البخاري ومسلم.
24

التراويح

صلاة التراويح هي قيام الليل في شهر رمضان، وسميت تراويح لأن الناس كانوا يستريحون بين الركعات لطول القيام.
قال النبي ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». رواه البخاري ومسلم.
صلاة التراويح سنة مؤكدة في شهر رمضان، وهي من قيام الليل المشروع في هذا الشهر، ويُستحب للمسلم المحافظة عليها بحسب استطاعته.
صلاة التراويح من أعظم عبادات شهر رمضان، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا رُجي له مغفرة ما تقدم من ذنوبه.
قال النبي ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». رواه البخاري ومسلم.
نعم، صلى النبي ﷺ بأصحابه قيام رمضان جماعة عدة ليالٍ، ثم ترك الخروج إليهم خشية أن تُفرض عليهم، فلما توفي ﷺ زال هذا السبب.
ثبت ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري وصحيح مسلم.
جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس على إمام واحد في قيام رمضان، وكان ذلك من اجتهاده رضي الله عنه في تنظيم صلاة الجماعة.
قال عمر رضي الله عنه لما رأى الناس يصلون أوزاعًا: «نعمت البدعة هذه». رواه البخاري.
صلاة التراويح جماعة في المسجد سنة ثابتة، وقد فعلها النبي ﷺ بأصحابه، وفعلها الصحابة بعده. ومن صلى في بيته فلا حرج عليه، وله أجر النافلة بحسب نيته وعمله.
لم يثبت عدد واحد يجب الالتزام به في التراويح، وقد ورد عن النبي ﷺ قيامه بإحدى عشرة ركعة في رمضان وغيره، كما صلى الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه بعدد أكبر. فالمسألة فيها سعة.
قالت عائشة رضي الله عنها: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة». رواه البخاري ومسلم.
نعم، صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة مع الوتر من الصفات الثابتة عن النبي ﷺ، وهي من الهيئات المشروعة.
نعم، صلاة ثلاث وعشرين ركعة مع الوتر من الصور التي عُرفت عن السلف، ولا ينبغي جعل عدد معين سببًا للنزاع بين المسلمين، فالمعتبر إقامة الصلاة بخشوع وطمأنينة.
نعم، ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز الزيادة، لعموم قوله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى»، ولما ورد من اختلاف عدد صلاة السلف في قيام رمضان.
قال النبي ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى». رواه البخاري ومسلم.
نعم، التراويح نوع من قيام الليل في رمضان، ولذلك يصح إطلاق قيام رمضان عليها، أما قيام الليل فهو أعم ويشمل صلاة الليل في رمضان وغيره.
يبدأ وقت صلاة التراويح بعد صلاة العشاء ويمتد إلى طلوع الفجر، ويجوز أداؤها في أول الليل أو وسطه أو آخره.
لا تُصلّى التراويح قبل صلاة العشاء؛ لأنها من قيام الليل ووقتها يبدأ بعد صلاة العشاء.
نعم، يجوز تأخير قيام رمضان إلى آخر الليل، بل آخر الليل وقت فاضل لمن وثق من نفسه بالقيام، أما من خشي ألا يستيقظ فالصلاة في أول الليل أنسب له.
ختم القرآن في التراويح عمل حسن إذا لم يترتب عليه مشقة أو إخلال بأركان الصلاة وطمأنينتها، لكن ليس شرطًا لصحة التراويح، ولا يلزم الإمام أو المصلين ختم القرآن كاملًا.
يجوز للإمام إطالة القراءة إذا لم يشق على المأمومين، وينبغي له مراعاة أحوال الناس، فلا يطيل إطالة توقعهم في الحرج، ولا يسرع سرعة تخل بالطمأنينة.
القراءة من المصحف في صلاة النافلة، ومنها التراويح، مسألة فقهية اختلف فيها أهل العلم، وقد أجازها كثير من العلماء عند الحاجة أو المصلحة، خاصة لمن لا يحفظ ما يحتاج إليه.
نعم، يجوز للمرأة حضور صلاة التراويح في المسجد إذا التزمت بالآداب الشرعية، وكان خروجها مأمونًا، ولا تتعطر عند الخروج، وصلاتها في بيتها أفضل لها في الأصل.
قال النبي ﷺ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». رواه البخاري ومسلم.
نعم، يجوز للمرأة أن تصلي التراويح في بيتها، ولها أن تصلي منفردة أو مع أهل بيتها إذا توافرت شروط الصلاة.
نعم، تصح صلاة قيام رمضان جماعة في البيت، وقد يصلي الرجل بأهل بيته إذا أرادوا ذلك، مع مراعاة أحكام الإمامة والاقتداء.
يستحب للمسلم أن يصلي مع الإمام حتى ينصرف ليُكتب له أجر قيام ليلة، فإن انصرف قبل الإمام أو صلى بعض الصلاة فلا تبطل صلاته، لكنه يفوته فضل متابعة الإمام حتى ينصرف.
قال النبي ﷺ: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة». رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
نعم، إذا أوتر المسلم مع الإمام ثم قام بعد ذلك فله أن يصلي ما شاء من قيام الليل، ولا يعيد الوتر؛ لأن الوتر لا يُعاد في الليلة نفسها.
قال النبي ﷺ: «لا وتران في ليلة». رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
يجوز القنوت في الوتر، ومن الأدعية الواردة دعاء الحسن بن علي رضي الله عنهما الذي علّمه النبي ﷺ، ولا يلزم دعاء معين في كل ليلة، والأمر في ذلك واسع.
عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر. رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
من أهم ما ينبغي تجنبه: الإسراع الذي يخل بالطمأنينة، والانشغال بالحديث أثناء الصلاة، والتشويش على المصلين، والمبالغة في رفع الصوت بما يؤذي الآخرين، وتحويل اختلاف عدد الركعات إلى سبب للخصومة، وإطالة الصلاة بما يشق على الناس دون مراعاة أحوالهم.
التراويح سنة مؤكدة من قيام رمضان، ووقتها بعد العشاء إلى طلوع الفجر، ويجوز أداؤها جماعة أو منفردة، ولا يلزم عدد معين من الركعات، والأفضل للمسلم أن يصلي بخشوع وطمأنينة، ويجتهد في قراءة القرآن والذكر والدعاء، وأن يختم صلاته بالوتر.
قال النبي ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». رواه البخاري ومسلم.
25

صلاة الاستخارة

صلاة الاستخارة هي صلاة نافلة ودعاء يلجأ بهما المسلم إلى الله تعالى عندما يُقبل على أمر مباح أو مشروع ويحتار في اختيار الأنسب له، فيطلب من ربه أن يقدر له الخير حيث كان ويصرف عنه الشر.
عن جابر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن». رواه البخاري.
صلاة الاستخارة سنة مستحبة، وهي من مظاهر افتقار العبد إلى ربه وتفويض الأمر إليه.
تشرع الاستخارة عندما يتردد المسلم في أمر مباح أو مشروع، مثل الزواج أو السفر أو العمل أو شراء شيء أو غير ذلك من الأمور التي تحتاج إلى اختيار، بعد أن يأخذ بالأسباب ويستشير أهل الخبرة.
لا تكون الاستخارة لاختيار فعل واجب أو تركه، ولا لاختيار فعل محرم أو تركه؛ لأن الواجب يجب فعله والحرام يجب تركه. وإنما تكون في الأمور المباحة، أو في المفاضلة بين أمور مشروعة.
صلاة الاستخارة ركعتان من غير الفريضة، ثم يدعو المسلم بدعاء الاستخارة الوارد عن النبي ﷺ.
قال النبي ﷺ: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل...». رواه البخاري.
يتوضأ المسلم ويصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم يحمد الله ويصلي على النبي ﷺ ويدعو بدعاء الاستخارة، ويسمي حاجته عند موضع «هذا الأمر».
ورد الحديث بأن الدعاء يكون بعد ركعتي الاستخارة، ولذلك يقول المسلم دعاء الاستخارة بعد الفراغ من الركعتين، وهو قول جمهور أهل العلم.
من دعاء الاستخارة الوارد: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به».
رواه البخاري عن جابر رضي الله عنه.
لا يجب حفظ الدعاء، ويجوز للمسلم أن يقرأه من ورقة أو هاتف عند الحاجة، والأفضل أن يتعلمه ويحفظه إذا استطاع.
لا، ليس من شرط الاستخارة أن يرى المسلم رؤيا أو حلمًا. ولم يثبت في السنة أن نتيجة الاستخارة لا تعرف إلا عن طريق المنام.
بعد الاستخارة يمضي المسلم في الأمر مع الأخذ بالأسباب والاستشارة، فإن تيسر الأمر واستقامت أسبابه مضى فيه، وإن تعسر أو انصرف عنه المسلم فقد يكون ذلك خيرًا له، وليس المقصود انتظار علامة غيبية محددة.
لا يشترط شعور معين أو راحة فورية بعد الاستخارة، فالمسلم يفوض أمره إلى الله تعالى، ثم يعمل بالأسباب ويقبل بما يقدره الله له.
نعم، بل من الحكمة أن يجمع المسلم بين الاستخارة والاستشارة، فيستخير الله تعالى ويستشير أهل الخبرة والثقة، ثم يأخذ بالأسباب ويتوكل على الله.
قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159].
يجوز للمسلم تكرار الاستخارة إذا بقي مترددًا في الأمر، ولم يثبت عدد محدد يجب الالتزام به لتكرارها.
نعم، يجوز تكرارها في الأمر الواحد عند استمرار التردد، لكن لا ينبغي أن تتحول الاستخارة إلى وسيلة لتعطيل القرار بلا نهاية، بل يستخير المسلم ويستشير ثم يعزم ويتوكل على الله.
الأصل أن يستخير الإنسان لنفسه فيما يخصه؛ لأن حديث الاستخارة جاء فيمن همَّ بالأمر، فيصلي ركعتين ويدعو الله تعالى لنفسه. ويجوز الدعاء للآخرين بالخير عمومًا.
نعم، الزواج من الأمور التي تشرع فيها الاستخارة، فيستخير المسلم في الإقدام على الزواج من شخص معين بعد السؤال عنه ومعرفة دينه وخلقه وأخذ الأسباب المشروعة.
نعم، إذا كان العمل مباحًا وتردد المسلم في اختيار وظيفة أو فرصة معينة، فيشرع له أن يستخير الله تعالى، مع دراسة ظروف العمل والراتب والمكان والاستقرار وسائر الأسباب.
نعم، إذا كان السفر مباحًا وتردد المسلم في الإقدام عليه أو اختيار وجهة أو وقت معين، جاز له أن يستخير الله تعالى ويأخذ بالأسباب.
صلاة الاستخارة نافلة ذات سبب، وقد اختلف أهل العلم في صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي. والأحوط لمن أراد الخروج من الخلاف أن يستخير في وقت تجوز فيه النافلة، إلا إذا احتاج إلى الاستخارة في وقت النهي على قول من أجاز ذوات الأسباب.
الوارد في الحديث أن الاستخارة تكون بركعتين من غير الفريضة، ولذلك لا تكفي الفريضة وحدها عن ركعتي الاستخارة، لكن يجوز للمسلم أن يصلي ركعتي نافلة للاستخارة بعد الفريضة إذا كان الوقت مناسبًا.
ذكر أهل العلم جواز تداخل النيات في بعض النوافل، لكن الأكمل والأبعد عن الخلاف أن يصلي المسلم ركعتين مستقلتين للاستخارة ثم يدعو بدعائها.
لا، الاستخارة لا تعني ترك الأسباب، بل يجمع المسلم بين الدعاء والتوكل على الله وبين البحث والسؤال والاستشارة ودراسة النتائج المتوقعة، ثم يمضي فيما ترجح له.
من الأخطاء اعتقاد أن الاستخارة لا تصح أو لا تظهر نتيجتها إلا برؤيا في المنام أو شعور محدد. لم يثبت ذلك عن النبي ﷺ، وإنما السنة أن يدعو المسلم الله تعالى ويأخذ بالأسباب ويمضي فيما يتيسر له.
الاستخارة سنة عظيمة تعلّم المسلم تفويض أمره إلى الله تعالى، وتكون في الأمور التي تحتاج إلى اختيار، ويصلي المسلم ركعتين من غير الفريضة ثم يدعو بدعاء الاستخارة، ويجمع بين الاستخارة والاستشارة والأخذ بالأسباب، ولا يشترط أن يرى رؤيا أو يشعر بعلامة معينة، بل يمضي فيما يتيسر له متوكلًا على الله وراضيًا بما يقدره.
قال النبي ﷺ: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن». رواه البخاري.
26

سجود التلاوة والشكر

سجود التلاوة هو سجدة تُشرع عند تلاوة آية من آيات السجود أو سماعها، شكرًا لله تعالى وخضوعًا له، واتباعًا لهدي النبي ﷺ.
قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 20-21].
سجود التلاوة سنة عند جمهور أهل العلم، وليس واجبًا، فمن سجد أُجر، ومن تركه فلا إثم عليه على قول الجمهور.
ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ سجدة على المنبر فنزل فسجد، ثم قرأها في الجمعة الأخرى فلم يسجد، وقال: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. رواه البخاري.
اختلف أهل العلم في عدد مواضع سجود التلاوة، وأشهر الأقوال أنها خمس عشرة سجدة، ومنهم من يعدها أربع عشرة، بحسب طريقة العد والمواضع التي يعتبرها القارئ من سجدات التلاوة.
سجود التلاوة سجدة واحدة، ثم يرفع المسلم منها، ولا يشرع فيها تشهد ولا تسليم على الصفة المعتادة لسجود الصلاة.
يقول ما يقوله في سجود الصلاة من التسبيح والدعاء، ومن الأدعية الواردة: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين».
رواه مسلم.
اختلف أهل العلم في اشتراط الوضوء لسجود التلاوة خارج الصلاة؛ فمنهم من اشترطه قياسًا على سجود الصلاة، ومنهم من لم يشترطه لأن سجود التلاوة ليس صلاة عندهم. والمسألة محل خلاف معتبر.
اختلف الفقهاء في اشتراط استقبال القبلة لسجود التلاوة خارج الصلاة، بناءً على اختلافهم في حكمه ووصفه، والأحوط استقبال القبلة إذا تيسر ذلك.
نعم، يشرع للإمام والمنفرد السجود عند المرور بآية سجدة في الصلاة، ثم يرفع ويكمل قراءته وصلاته.
نعم، إذا سجد الإمام لسجدة التلاوة في الصلاة وجب على المأموم متابعته؛ لأن متابعة الإمام من أحكام الاقتداء.
قال النبي ﷺ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به». رواه البخاري ومسلم.
يشرع للمستمع أن يسجد إذا سجد القارئ عند تلاوة آية السجدة، وقد ورد ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه.
ثبت التكبير عند الانتقال في الصلاة، أما سجود التلاوة خارج الصلاة فوقع خلاف بين أهل العلم في مشروعية التكبير له، والأمر فيه أوسع من سجود الصلاة.
لا يثبت في السنة الصحيحة تسليم مخصوص لسجود التلاوة خارج الصلاة، ولذلك لا يُشرع جعله كصلاة مستقلة ذات تسليم.
نعم، يجوز تركه على قول جمهور العلماء؛ لأنه سنة وليس فرضًا، ولا ينبغي للمسلم أن يعتقد أن تركه يبطل التلاوة.
سجود الشكر هو سجود يفعله المسلم عند حصول نعمة ظاهرة أو اندفاع نقمة أو سماع ما يسره من خبر، شكرًا لله تعالى على فضله.
ثبت أن النبي ﷺ كان إذا جاءه أمر يسره أو بُشر به خر ساجدًا لله تعالى. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
سجود الشكر مشروع عند حدوث نعمة متجددة أو دفع بلاء، وقد استحبه جمهور من أهل العلم، وهو من صور شكر الله تعالى.
يشرع عند حدوث نعمة جديدة تسر المسلم أو زوال مصيبة أو بلاء، ولا يُشرع جعله عادة ثابتة دون سبب متجدد.
سجود الشكر يكون سجدة واحدة، ثم يرفع المسلم منها، ولا يُشرع له أن يصليه ركعتين لمجرد سجود الشكر.
ليس لسجود الشكر دعاء واحد واجب مخصوص، بل يدعو المسلم بما يناسب من حمد الله وشكره والثناء عليه، ويجوز له أن يقول أذكار السجود المعروفة.
اختلف أهل العلم في اشتراط الوضوء لسجود الشكر، قياسًا على سجود التلاوة والصلاة. ومن أخذ بقول من لا يشترط الوضوء فإنه يسجد عند حدوث السبب ولو لم يكن متوضئًا.
لأن سجود الشكر مرتبط بسبب طارئ، فقد اختلف أهل العلم في فعله في أوقات النهي، ومن أجازه في هذه الحالة اعتبره من ذوات الأسباب، ومن أراد الاحتياط أمكنه تأخيره إذا لم يعد السبب قائمًا.
سجود الشكر يكون خارج الصلاة عند حصول السبب، ولا يُدخل المسلم سجود الشكر المستقل داخل الصلاة؛ لأن الصلاة لها هيئتها وأحكامها المحددة.
سجود التلاوة سببه تلاوة أو سماع آية من آيات السجود، أما سجود الشكر فسببه حصول نعمة أو اندفاع نقمة أو وصول خبر يسر المسلم. وكلاهما من صور الخضوع لله تعالى.
إذا قرأ المسلم آية السجدة من الهاتف قراءة فعلية، فله أن يسجد سجود التلاوة؛ لأن العبرة بتلاوة الآية، ولا يختلف أصل الحكم باختلاف وسيلة عرض النص.
سماع آية السجدة من تسجيل صوتي ليس كالسماع المباشر من القارئ عند كثير من أهل العلم؛ ولذلك لا يلزم السجود بسبب التسجيل، ومن سجد فلا يُنكَر عليه إذا أخذ بقول من يرى مشروعيته.
سجود التلاوة سنة عند جمهور العلماء، وسببه المرور بآية من آيات السجود، أما سجود الشكر فسببه تجدد نعمة أو زوال نقمة. وكلاهما سجدة واحدة، ولا ينبغي التشدد في المسائل التي وقع فيها خلاف معتبر بين أهل العلم، مثل اشتراط الوضوء واستقبال القبلة في السجود خارج الصلاة.
قال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19].
27

مسائل معاصرة وأسئلة تطبيقية

نعم، تصح الصلاة مع وجود الهاتف المحمول في الجيب، ولا يؤثر مجرد وجوده على صحة الصلاة، ما دام لا يشتمل على شيء نجس أو محرم يؤثر في الصلاة.
يجوز ذلك، بل ينبغي للمصلي أن يغلق صوت الهاتف أو يجعله صامتًا قبل الصلاة حتى لا يشوش على نفسه أو على المصلين.
من مقاصد الشريعة المحافظة على خشوع الصلاة وعدم التشويش على المصلين.
اختلف أهل العلم في حكم القراءة من المصحف في الصلاة، ويلحق الهاتف به من جهة أصل المسألة. فمن أجاز القراءة من المصحف في النافلة أو الفريضة عند الحاجة أجازها من الهاتف كذلك، مع مراعاة تقليل الحركة وعدم الانشغال بالجهاز.
لمس الهاتف لا يبطل الصلاة بمجرده، لكن كثرة الحركة والعبث بالهاتف قد تنافي الخشوع، وقد تصل إلى حد كثرة العمل الذي يؤثر في الصلاة بحسب حال المصلي.
إذا كان إيقاف الرنين يحتاج إلى حركة يسيرة جاز له ذلك عند الحاجة، لأن استمرار الرنين قد يشوش على المصلين. وينبغي للمسلم أن يضع هاتفه على الصامت قبل الدخول في الصلاة.
لبس ما فيه صور لذوات الأرواح من المسائل التي ورد فيها النهي، ولذلك ينبغي للمسلم اجتنابه، وخاصة في الصلاة. وأما صحة الصلاة مع وجود الصورة فهذه مسألة فقهية فيها تفصيل، ولا ينبغي أن يُجعل وجود الصورة سببًا للتهاون بالصلاة أو تركها.
تصح الصلاة في الأصل إذا كانت الملابس طاهرة ساترة للعورة، لكن ينبغي تجنب ما يلفت الأنظار أو يشوش على المصلين، كما يجب اجتناب الشعارات والعبارات المحرمة أو المسيئة.
يجوز الصلاة في النعل أو الحذاء إذا كان طاهرًا، وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى في نعليه. لكن إذا كان دخول المسجد بالحذاء يؤدي إلى تلويثه أو إيذاء المصلين فلا يجوز ذلك، بل يُراعى نظام المكان ونظافته.
قال النبي ﷺ: «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم». رواه أبو داود.
يجب أن يكون موضع الصلاة طاهرًا، فإن كانت النجاسة موجودة في الموضع الذي يباشره المصلي أو يلامس ثوبه وجب إزالتها. أما إذا كانت النجاسة في مكان منفصل لا يباشره المصلي ولا تؤثر فيه فالحكم يختلف بحسب موضعها وحالها.
إذا لم يعلم بالنجاسة إلا بعد انتهاء الصلاة، فهذه من مسائل الخلاف الفقهي، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أن صلاته صحيحة إذا لم يكن عالمًا بها ولم يتعمد الصلاة مع النجاسة، وهو قول قوي تدل عليه بعض الأحاديث والآثار.
تصح الصلاة في الأصل مع وجود المكياج إذا كان طاهرًا، لكن إن كان قد وُضع قبل الوضوء وكان يشكل طبقة تمنع وصول الماء إلى البشرة، فيجب إزالته قبل الوضوء.
طلاء الأظافر الذي يشكل طبقة تمنع وصول الماء إلى الظفر يجب إزالته قبل الوضوء، أما إذا توضأت المرأة ثم وضعته وصلت ما دام وضوؤها باقيًا، فإذا انتقض الوضوء أزالته عند الحاجة إلى الوضوء من جديد.
نعم، تصح الصلاة مع العدسات اللاصقة؛ لأنها لا تمنع صحة الصلاة ولا تتعلق بأعضاء الوضوء التي يجب إيصال الماء إليها.
الأصل أن يصلي القادر على القيام قائمًا في الفريضة، ولا يترك القيام لمجرد المشقة اليسيرة. أما إذا كان القيام يسبب ضررًا أو مشقة غير معتادة أو يزيد المرض، فيصلي بحسب استطاعته.
قال النبي ﷺ: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». رواه البخاري.
يصلي بحسب استطاعته، فإن عجز عن السجود أومأ له وخفض رأسه بحسب قدرته، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
يجوز للمريض أو العاجز عن القيام أو الركوع أو السجود أن يصلي على الكرسي بحسب قدرته. أما القادر على القيام فلا يجوز له ترك القيام في الفريضة لمجرد الراحة.
صلاة النافلة في وسيلة السفر لها أحكامها، أما الفريضة فيجب على المسلم أن يؤديها مستوفيًا أركانها وشروطها ما استطاع، فإن خشي خروج الوقت ولم يتمكن من النزول أو استقبال القبلة أو أداء الأركان على وجهها، صلى بحسب استطاعته.
ينظر في إمكانية أداء الصلاة على وجهها داخل الطائرة، فيستقبل القبلة ويقوم ويركع ويسجد إذا استطاع، فإن عجز عن بعض ذلك صلى بحسب استطاعته، ولا يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها إذا لم يمكن الجمع أو التأخير المشروع.
الأصل أداء كل صلاة في وقتها، ولا يجوز جعل العمل أو الدراسة سببًا دائمًا لترك الصلاة أو إخراجها عن وقتها. أما الجمع للحاجة أو العذر فله تفصيل عند أهل العلم، ولا ينبغي التوسع فيه بغير حاجة معتبرة.
من غلبه النوم عن الصلاة من غير تفريط، فإنه يصليها عند استيقاظه، أما تعمد النوم مع العلم بخروج وقت الصلاة من غير اتخاذ أسباب الاستيقاظ فهو تفريط لا يجوز.
قال النبي ﷺ: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها». رواه البخاري ومسلم.
إذا شك المصلي ولم يترجح عنده أحد الاحتمالين، بنى على اليقين وهو الأقل، ثم سجد للسهو. أما إذا غلب على ظنه أحد الأمرين فإنه يعمل بغالب ظنه ويسجد للسهو بحسب التفصيل الوارد في السنة.
قال النبي ﷺ: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن». رواه مسلم.
إذا قام المصلي وشرع في القراءة فلا يرجع إلى التشهد الأول، بل يكمل صلاته ويسجد للسهو قبل السلام أو بعده بحسب التفصيل الفقهي. أما إذا تذكر قبل أن يستتم قائمًا فإنه يرجع ويأتي بالتشهد.
ثبت أن النبي ﷺ قام من الركعتين ولم يجلس، ثم سجد للسهو. رواه البخاري ومسلم.
من نسي صلاة أو نام عنها حتى خرج وقتها فإنه يصليها حين يتذكرها، ولا يجوز له تعمد تأخيرها بعد تذكرها.
قال النبي ﷺ: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها». رواه البخاري ومسلم.
الخطأ في الفاتحة ليس على درجة واحدة؛ فمنه ما لا يغير المعنى أو يقع بغير قصد، ومنه ما يغير المعنى أو يخل بالكلمة إخلالًا مؤثرًا. والحكم يختلف بحسب نوع الخطأ وقدرة المصلي على التعلم، لذلك لا يصح الحكم ببطلان كل صلاة لمجرد وجود خطأ في القراءة.
الأصل في الصلاة المحافظة عليها في أوقاتها، وأداؤها كما شرع الله تعالى وعلى هدي النبي ﷺ، مع تعلم شروطها وأركانها وواجباتها وسننها، ومراعاة أحكام أصحاب الأعذار. وإذا عرضت للمسلم مسألة فقهية دقيقة أو نازلة معاصرة فعليه أن يسأل أهل العلم الموثوقين، ولا يبني الحكم على مجرد الظن أو المعلومات المنتشرة في وسائل التواصل.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وقال النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي». رواه البخاري.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

زيارة موقع دقائق علمية